الجمعة، 27 أكتوبر 2017

الخيال


الخيال الشعري
لطلاب الثانية ماستر (نقد أدبي)

رابط كتاب ( الخيال الشعري عند العرب) لأبي القاسم الشابي .

https://www.diwanalarab.com/IMG/pdf/_-27.pdf

رابط بحث بعنوان (طبيعة الخيال الشعري وظوابطه بين التراث والحداثة) د. بتول أحمد جندية

http://www.alukah.net/library/0/96051/

السبت، 7 أكتوبر 2017

الشاعر منتميا وملتزما

الشاعر منتميا وملتزما

 د- رمضان حينوني
المركز الجامعي لتامنغست/ الجزائر


مذ ربط الإنسان القديم الشعر بالجن، كان في حقيقة الأمر يعبر عن اختلاف الشاعر عن غيره من البشر، ذلك الاختلاف الذي يضعه في عالم معنوي قائم بذاته ينجم عنه نظم كلام يحتاج إلى معرفة وإدراك وخبرة لفك شفراته وفهم أبعاده، فبدا الشاعر وكأنه إنسان فوق البشر من حيث قوة البيان والقدرة على تأليف المعاني والصور تفوق تلك التي يملكها عامة الناس، ومن ثم نظر للشاعر على أنه إنسان من طينة مميزة، ونظر هو إلى الآخرين على أنهم لا يرتفعون دائما إلى مستوى فهم ما يريد.
ويشترك الشاعر– إلى حد ما- مع المثقف النخبوي في هذه الوضعية، من حيث علاقته بالآخرين، وإن كان الشاعر مطالبا بالإبداع أكثر من المثقف، وإنتاجه ليس واعيا دائما أو ليس مرتبطا بعالم الحقيقة في كل حال، ومن هنا كان الأديب أكثر قدرة على التأثر بأحداث المجتمع وتقلباته، وأكثر قدرة على مواجهة ما تأتي به تلك التقلبات من فوائد أو مضار، مع اختلاف في درجة ذلك بين أديب وآخر.
والأديب إذ ينطلق من ذاته في رؤيته للعالم المحيط به، فإن عوامل كثيرة تتدخل في تشكيل تلك الرؤية ومستقبلها، من ذلك تكوينه النفسي والثقافي، والتجربة الحياتية التي تنميها جملة من العوامل الاجتماعية والدينية والسياسية، فتبلورها في مجموعة سلوكات ومبادئ تترجم إبداعا، يخلص فيه تارة للجماعة على حساب ذاته، وتارة يعطي ذاته الأولوية وإن حدث الصدام بينه وبين الجماعة التي ينتمي إليها، والتي تريده صوتها وصورتها في مقابل الآخرين، دون أن تتفهم خصوصياته وأبعاد تفكيره التي مهما تكن علاقته بالجماعة، فإن لها تميزها واستقلاليتها اللذين يرسمان اتجاهها في التعبير، ورؤيتها للأمور المتعلقة بالإنسان ومحيطه الاجتماعي.
والأدباء كغيرهم من النماذج البشرية لا يتعاملون مع الواقع المفروض أو الانتماء القسري بدرجات متساوية، ذلك أن" بعضهم يستكين إلى تلك الظروف والانتماءات، وبعضهم يرى في جوانب منها ما يعوق تقدّمه، فيبحث عن الخلاص بتصور الحلّ، وإقرانه بالعمل اللازم لإزاحة ما يعوق التقدم، وفي أثناء ذلك يحدث الجدل، فيكون حاداً بالصراع أو هادئاً بالحوار، وفي كلتا الحالتين تظهر إرادة الإنسان القادر على التدخل في سير الظروف، مسلّحاً بالمعرفة البسيطة أو العميقة للقوانين التي تحكم الطبيعة والوجود الإنساني معاً" (1). وفي كل حال من هذه الأحوال يسعى الأديب إلى تبرير اتجاهه، والدفاع عن موقفه في وجه الانتقادات التي يتعرض إليها من ذوي الاتجاهات الأخرى.
من هنا تطرح قضية الانتماء والالتزام عند حديثنا عن موقف الأدباء مما يحدث في محيطهم العام متعدد الأوجه، ذلك الموقف الذي يتعرض لكثير من الضغوط الخارجة عن نطاق الذات، فيحاول الأديب التكيف مع الواقع آخذا بعين الاعتبار منطق الربح والخسارة، سواء على المستوى الشخصي أو المستوى الاجتماعي. غير أن المسألة غاية في الصعوبة خاصة في أزمنة الأزمات التي تعصف بالمجتمع، أين يجد نفسه بين مطرقة مبادئه التي تربى عليها أو التي اكتسبها عبر ثقافة تراكمية، وبين سندان التوجهات السياسية والاجتماعية التي تدعوه إلى اتخاذ موقف معين، أو أكثر من ذلك تدعوه إلى الدفاع عن وجهات نظر السلطة التي يحتمي بها، سواء كانت سياسية أو دينية أو اجتماعية، حتى وإن كانت درجة الاقتناع بالمهمة المنوطة به أحيانا ضعيفة.
غير أن هذا الانتماء لا ينتفي بالضرورة إذا عارض الفرد رغبات الجماعة أو توجهاتها، بل هو قابل لأن يكون انتماء شكليا في مقابل الانتماء الجوهري الذي يرتقي إلى مرتبة الولاء، كما يرى الدكتور فرج عبد القادر طه، إذ إن " الفرد قد يكون عضواً في جماعة، ومحسوباً عليها إلاّ أنه لا يرتضي معاييرها، ولا يتوحد بها، ولا يشاركها ميولها واهتماماتها، فهو ينتمي إليها شكلاً، وليس قلباً، وفي هذه الحالة يصبح منتمياً إلى هذه الجماعة بينما يكون ولاؤه... لجماعة أخرى أو لزعيم آخر أو لمبدأ مغاير للجماعة المنتمي إليها"(2) . ولا يصل الأمر إلى هذه الدرجة عادة إلا حينما يتعرض الأديب إلى الاضطهاد الذي لا يلجأ فيه فقط " إلى أساليب العنف الظاهر بل إلى أساليب دقيقة جدا تهدف إلى عزل الكاتب وتهديم شخصيته وإسكاته"(3)
أما الحلقة الوسط بين الولاء والانتماء الشكلي فقد يكون ما يمكن تسميته بالولاء الواعي، ذلك الذي تتسع فيه دائرة الالتزام " بحيث تترك للكاتب الحق والحرية في تحديد قضايا المجتمع المهمة من زاويته الخاصة"(4) ، حتى وإن كانت متفقة أحيانا وتوجهات السلطة ومؤسساتها؛ ذلك أن المثقف بوجه عام- ومهما كانت علاقته بالسلطة - ليس مسخرا ليكون معارضا أبديا لها ولا بوقا يوصل صوتها، فقد يلتقي طرحه مع طرحها حينا من الدهر، ولكنه لا يستمر على ذلك طويلا نتيجة للتغيرات والتقلبات التي تعتري السلطة، ويمكن اعتبار مثل هذه العلاقة بين هذين الطرفين امتحانا حاسما لمدى استقلالية المثقف ونزاهة توجهه.
والاضطراب في الانتماء ليس سمة سلبية بالضرورة؛ بل قد يعد بحثا عن الحرية أو التحرر من المعيقات التي تحول دون اطمئنان الفرد إلى الوسط الذي يعيش فيه، ونذهب في هذا مع الدكتور فاروق أحمد اسليم الذي يرى" أن تنوع الانتماء هو نتاج جدل الإنسان، وهو يبحث عن الوسائل التي ترقى به نحو التحرر، والانفلات من الظروف التي تعوق تطوره"(5) ، ويدل ذلك على الدور الذي يلعبه وعي الفرد، والمثقف على وجه الخصوص، في توجيه الانتماء بأشكاله المتعددة قبليا أو سياسيا أو فكريا.
أما خارج هذه الأشكال من الانتماءات، فنجد الأديب اللامنتمي الذي لا يجد طريقا إلى لعب دور حقيقي له في الحياة العامة يعبر عن إرادته، ويعبر عن وجوده ككائن مستقل، وخصوصا في العالم الصناعي الذي شيأ الإنسان وحوّله إلى مجرّد آلة، فاغترب عن نفسه وعن مجتمعه، وأصبح كبطل رواية هنري باربوس (الجحيم) لا يجد" طريقا هنالك إلى الخارج أو إلى ما حول أو إلى الداخل "(6).
ورغم أن الصورة التي رسمها كولن ولسن للإنسان اللامنتمي لا تنطبق بالضرورة على كل النماذج اللامنتمية، لاختلاف البيئات والمنطلقات الفكرية، إلا أنها تعبر من زاوية معينة عن طبيعة هذا النموذج الذي " يدرك ما تنهض به الحياة الإنسانية من أساس واه، والذي يشعر أن الاضطراب والفوضوية هما أعمق تجذرا من النظام الذي يؤمن به قومه"(7) وهو بالتالي يرفض أن يكون في منظومة اجتماعية لا يرى أنها تحقق أناه الحقيقية، فهو دائم البحث عن ذاته وعالمه، ولهذا يعيش شقاء يقربه في نظر الآخرين إلى المجنون، مثل ما حدث لـ(فان كوخ) الذي انتهى به المطاف إلى الانتحار.
وفي كل هذه الحالات المرصودة المتعلقة بالانتماء واللاانتماء، لا نجد الفرد في كامل الاطمئنان إلى علاقته مع الآخرين، فمهما تنازل عن بعض قيمه ليتأقلم فهو يظل مدركا لخلل نسبي تتفاوت درجته في تلك العلاقة، وذلك أمر طبيعي إذا علمنا أن الذات لا ترتبط بالقوانين والضوابط التي نجدها في المجتمع، وعليه فإن الحرية التي تريدها الذات لا بد أن تواجهها معوقات يفرضها النظام المسير للجماعة الإنسانية، فينجم عن ذلك عدم التطابق بين الطرفين يتمظهر في شكل ما من أشكال التعبير الانتقادي لدى الأدباء، كما لدى غيرهم ممن يستخدمون المنابر التعبيرية المختلفة.
وبناء على ما سبق، نجد عبر التاريخ العربي والإنساني نماذج متباينة لشعراء اتخذوا مواقف معينة مما يجري في محيطهم المضطرب تحت وطأة الأعراف والقوانين، أو تحت وقع القلاقل والحروب والفتن وغيرها، مع ما يترتب عن ذلك من ثمن يدفعه الأديب، أو مغنم يحظى به مقابل ذلك، بصرف النظر عما إذا كان المغرم والمغنم مقصودين أم لا.
لنأخذ نموذجين واضحين من العصر الجاهلي على سبيل المثال، نموذج المخلصين للقبيلة كدريد بن الصمة، وغيره، والشعراء الصعاليك المتمردين عليها، والخارج عن ولائها إلى قوم سواها؛ فدريد شاعر القبيلة بامتياز، وبيته الشهير الوارد في مرثيته لأخيه يستشهد به في هذا المجال إذ يقول:
وما أنا إلا من غزية إن غوت *** غويت وإن ترشد غزية أرشد
وهو تلخيص لمعنى أعم عبرت عنه الأبيات السابقة له، فقد أشار على قومه برأي بخصوص الغزاة القادمين كـ(جراد يباري وجه الريح)، ولكنهم رأوا غير ما رأى، أو أنهم أدركوا صواب رأيه متأخرين، ورغم عصيانهم اعتبر نفسه منهم وأنه غير مهتد(8).

والملاحظ أن أغلب الشعراء الفرسان الذين كانوا عماد قبائلهم عرفوا بهذا الولاء، وقد تكون الثقة التي حظوا بها، والاحترام الذي يجدونه من أفرادها، والمسؤولية التي يشعرون أنها ملقاة على عواتقهم، كل ذلك شجعهم على إخفاء أناهم أو إذابتها في الجماعة، تحت عنوان كبير هو التضحية في سبيل الجماعة. والتضحية في ذاتها لا تكون إلا بالتنازل عن بعض ما يريده الشاعر، وإن كان نفيسا غاليا مثل النفس ذاتها. وقد يكون نظام القبيلة الصارم والمطالب بتلك التضحية في مقابل الحماية والمكانة هو مصدر إجبار على ذلك الولاء، فالولاء عندئد لا يعدو أن يكون إذعانا وخضوعا لقوة قاهرة تملك وسائل ردعها لكل مخالف أو رافض لنظمها، ممثلا في الخلع وهو" أعلى درجات النفي الفردي، حفاظا على المصلحة العليا للقبيلة والتزاماتها الأخلاقية ضمن توازن القوة في المجتمع القبلي"(9).
غير أنه، وفي ظل العصبية القبلية– في حال الشاعر الجاهلي- وما ينجم عنها من مظاهر الاضطراب والقلق، قد يرتقى الوعي الإنساني لدى الشاعر ليكون عامل توازن في هذا الانتماء،" فالجدل بين العصبية إلى الدم والوعي الفردي الذي يحمل مضمونا أخلاقيا، جعل ذات الشاعر الجاهلي أكثر تجذرا في إنسانيتها، وأشد حساسية في نشدانها لمثل أعلى، يخلق لديها نوعا من التوازن في عالم كاد أن يكون مستغلقا بسبب الصراعات عن الحمى"(10).
أما النموذج الثاني فتمثله تجربة فئة الشعراء الصعاليك الحاضرة في الأذهان؛ بفئاتها المختلفة (11)، التي خرجت لا شك عن المبدأ الذي رسخته القبيلة، فأعلنت رفضها الخضوع الذي يؤدي إلى ذوبان الفرد في الجماعة، وشقت لنفسها طريقا آخر فكريا واجتماعيا، أساسه النقمة والثورة على الأغنياء والأشحاء الذين تجمعت في أيديهم الثروة، في مقابل الفقر الذي يمس شرائح واسعة من المجتمع.
وإذا كانت دراسات كثيرة تذهب إلى أن ظاهرة الصعلكة ظاهرة اقتصادية، فإنه ليس من الصواب حصرها في الفوارق الطبقية بين الأشراف والعبيد في القبيلة، بل إنها نتاج تأمل فكري أوصل فئة من أفراد القبيلة إلى الخروج عن الإطار المسطر لها، وخصوصا عند ضحايا الخلع وهم من الطبقة العليا. وبالتالي فإن مسألة التحرر من قيود الآخر قد تكون سببا أكبر في الميل إلى هذا السلوك، فالقوانين التي كانت تحكم القبيلة عرفية صاغها الأقوى وصاحب المصالح، حتى وإن كانت في بعض جوانبها إيجابية، ولم يكن الضعيف في كل حال قادرا على الصبر عليها أو ليرضى بأن تكون دستور حياته، لهذا وجدنا الصعاليك بالذات يتخذون لأنفسهم طرقا لتحدى تلك الظروف الصعبة، من أجل البقاء أولا ومن أجل محاربة الواقع المفروض ومحاولة تغييره.
ومن هنا كانت ظاهرة الصعلكة حركة تمرد وثورة اتخذت في بعض حالاتها طابعا إصلاحيا كما هي عند عروة بن الورد وغيره، لكن الذي يهمنا من ذلك هو أن الشاعر الصعلوك لم ينزو في عالمه الخاص يمارس مهنته بصمت بل جسد لنا أفعاله ورؤاه شعرا، وقدم لنا موقفه من القبيلة أو المجتمع المصغر الذي خرج عنه وحاربه، فتكشفت لنا كثير من الإشارت الدالة على اغتراب الصعاليك ومعاناتهم والتبريرات التي ساقوها للتغطية على السطو الذي كان حرفتهم الرئيسة لكسب قوتهم، والحفاظ على مجتمعهم الجديد الذي شكلوه بديلا عن القبيلة التي رفضتهم فرفضوها، وطردتهم فحاربوها.
وربما كان الشنفرى واحدا من الصعاليك الذين قدموا لنا رؤيتهم الواضحة تجاه القوم، ففي لاميته (12) الشهيرة يذهب الشاعر إلى حد اتخاذ الحيوان قوما بدلا من قومه الذين هم بفراقهم، فلا حاجة له بهم طالما أنهم مصدر الأذى والكراهية، أما عالم الوحش ففيه الأمن وحفظ الأسرار:
أَقِيمُـوا بَنِـي أُمِّـي صُـدُورَ مَطِيِّـكُمْ *** فَإنِّـي إلى قَـوْمٍ سِـوَاكُمْ لَأَمْيَــــــل
وفي الأَرْضِ مَنْـأَى لِلْكَرِيـمِ عَنِ الأَذَى *** وَفِيهَا لِمَنْ خَافَ القِلَـى مُتَعَـزَّلُ
لعَمْـرُكَ مَا بِالأَرْضِ ضِيـقٌ على امْرِىءٍ *** سَرَى رَاغِبَـاً أَوْ رَاهِبَـاً وَهْـوَ يَعْقِــلُ
وَلِي دُونَكُمْ أَهْلُـون: سِيـدٌ عَمَــلَّـس *** وَأَرْقَطُ زُهْلُـولٌ وَعَرْفَـاءُ جَيــألُ
هُـمُ الأَهْلُ لا مُسْتَودَعُ السِّـرِّ ذَائِـعٌ *** لَدَيْهِمْ وَلاَ الجَانِي بِمَا جَرَّ يُخْـذَلُ
وعلى الرغم من اختلاف الروايات حول تحول الشنفرى إلى الصعلكة، فإن الأبيات السابقة، بقدر ما تحمل من الصدق في العاطفة، والقوة في البيان، فإنها ترجمان لرؤية هذه الفئة من العرب لأقوامها، عندما تفتقد فيها الأمان والاحترام وحرية التصرف، فتكون الصحراء بقساوتها ووحشها ووحشتها مفرا مقبولا وملاذا محمودا.

ومع امتداد الزمن لم تتغير الصورة في جوهرها، بل تغيرت في جزئياتها، فقد ظل الأدباء في كل العصور المعروفة يمثلون النموذجين السابقين، ونحن نسمع اليوم عن شعراء المناسبات وشعراء الالتزام وشعراء البلاط وشعراء التمرد وغيرها من التسميات التي تدور كلها في بوثقة علاقة الشاعر بالمجتمع الذي ينتمي إليه، غير أن التوتر بات يلعب فيها الدور الكبير في العصور المتأخرة، لأسباب تاريخية تتعلق بتطور الأوضاع في المجتمع العربي سياسيا واقتصاديا وثقافيا، وبعلاقاته مع محيطه الدولي.
والحاصل أنه، إذا كان خلاف الأديب مع الآخر في الإطار الاجتماعي هينا أو مقبولا إلى حد ما، فإن الخلاف السياسي قد شكل عقبة كأداء في طريق الشاعر إلى التعبير الحر عن مكنون نفسه، ذلك أن علاقته بالسلطة السياسية تتطلب منه التضحية وكثيرا من الجهد في ابتداع أساليب الاحتيال أو المهادنة رغبة في تجنب الصدام، فإذا رأى ذلك مستحيلا اختار لنفسه البدائل أو اختيرت له، حتى وإن كانت قاسية عليه ومؤلمة. غير أن للأديب القدرة على الاستفادة فنيا من ذلك، حينما تتحول المعاناة الذاتية أو الإحساس بالمعاناة الجماعية إبداعا أدبيا يرمي فيه صاحبة بأثقال النفس ليجني القارئ منها دررا ممتعة.


هوامش:
----------------
1- فاروق أحمد اسليم ، الانتماء في الشعر الجاهلي ، 11 ، منشورات اتحاد الكتاب العرب – دمشق ، 1998
2- طه فرج، وآخرون ، معجم علم النفس والتحليل النفسي،،68، دار النهضة العربية بيروت.
3- حليم بركات، غربة الكاتب العربي، 163، دار الساقي – بيروت، ط1، 2011
4- م. نفسه ، 157،
5- فاروق أحمد اسليم ، م. سابق ، 11 .
6- كولن ولسن. اللامنتمي، 18، تر: أنيس زكي حسن، دار الآداب – بيروت ط3- 1982.
7- م . نفسه، 5.
8- دريد بن الصمة ، الديوان ، تح: عمر عبد الرسول ، 61-62 ، دار المعارف بمصر.
9- على مصطفى عشا، جدل العصبية القبلية في نماذج من الشعر الجاهلي ، 3، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق ، ج3 ، مجلد 83
10- م . نفسه ، 3 - 4
11- هناك أنواع للصعلكة، مثل الخلعاء والشذاذ ، وأبناء الحبشيات الذين رفض الاعتراف بهم، والمحترفين اتخذوا من النهب والسلب حرفة .

12- الشنفرى ، الديوان ، تح: إيميل بديع يعقوب، 58 ، دار الكتاب العربي- بيروت ، ط2 ، 1996

الاثنين، 18 سبتمبر 2017

معاملة الأجنبي بمنطقة الساورة[1] في القرن 19 (قراءة في مذكرات الرحالة الألماني غيرهارد رولفس)

معاملة الأجنبي بمنطقة الساورة[1] في القرن 19
(قراءة في مذكرات الرحالة الألماني غيرهارد رولفس)
د. رمضان حينوني
أستاذ محاضر بالمركز الجامعي لتامنغست/ الجزائر
عضو
مخبر الموروث العلمي والثقافي لمنطقة نمنراست/ الجزائر
ramdanne@gmail.com

ملخص:
       يطرح البحث إشكالية أساسية ممثله في كيفية تعامل أهالي الصحراء الجزائرية مع الرحالة الأوروبيين في زمن خيم فيه الاستعمار بصورته القبيحة على أذهان الناس، بالنظر إلى كونهم وقعوا بين موقفين يتطلب كل منهما جهدا ليصمد أمام الآخر؛ الأول هو الاحتكام إلى العادات والأعراف الأصيلة التي تستوجب إكرام الضيف بصرف النظر عن هويته ووجهته، على عادة العرب قديما، والثاني هو الاشتباه في أن الرجل الأبيض لا يمثل في المخيال المحلي وقتذاك إلا المحتل أو الكافر -بالمفهوم الشعبي- الذي يسعى إلى الاستيلاء على الأرض أو إفساد الدين.
      ولقد أبان البحث عن جوانب من حياه إنسان القرن التاسع عشر في الجزائر، خصوصا في منطقة صحراوية نائية تجذرت بها العادات العربية الإسلامية إلى حد المحافظة على سلامة رحالة أحاطت به الشبهات الكفيلة بقتله، ما يعكس احتكام المجتمع وقتئذ إلى نوع من النظام المجتمعي الذي يؤدي فيه شيخ الزاوية أو القبيلة دور الضابط الصارم الذي تحترم كلمته وقراراته.
     وتكمن أهمية الدراسة في أنها تتخذ من مذكرات أجنبي مادة للدراسة، ليس لمجرد كونه أجنبيا، بل لأن الكتابات الغربية في هذه الفترة استطاعت أن تكون شاهدة على العصر، في زمن توجهت فيه جهود علماء المنطقة إلى التأليف في العلوم اللغوية والدينية، وأهملت كثيرا جوانب الحياة الاجتماعية.
الكلمات المفتاحية:الصحراء، الساورة، الجزائر، الرحالة الأوروبيون، معاملة الأجنبي، الاستعمار الفرنسي، الكرم، السلب، الأمان.
=======

مقدمة:
لم تقتصر الرغبة في استكشاف عمق الصحراء الكبرى على الفرنسيين والبريطانيين ومن خاضت بلدانهم حملات استعمارية على القارة الإفريقية، بل امتدت إلى غيرهم من الذين دفعهم الفضول أو البحث العلمي إلى المغامرة بحياتهم في سبيل الوصول إلى هذه الشعوب الغريبة عنهم لونا وثقافة ونمط حياة. وبخاصة أنهم يدركون تحفظ سكانها إزاء الرجل الأبيض الأوروبي الذي ارتبط ذكره بالاحتلال والحروب والعدوان، سعيا إلى تحقيق مآربه على حساب الشعوب الضعيفة؛ ولقد وُجدتْ في كثير من كتابات الرحالة الأوروبيين مادة خصبة تعرّف ببعض جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية في البلاد العربية كما رآها هؤلاء، وتسمح للباحث بمقارنتها مع ما عرفه أبناؤها وتناقلته أجيالهم، وخصوصا ما تعلق بالعادات والتقاليد ذات المرجعية الإسلامية مثل الكرم والضيافة وطلب الأمان والصحبة وغيرها.
وتعد مذكرات غيرهارد رولفس وثيقة مهمة في هذا الباب، تستحق وقفة وصفية فاحصة، وبخاصة ممن يعرف المسار الجغرافي الذي قطعته الرحلة وطبيعة تركيبته الاجتماعية وبنيته الثقافية، ومهما تكن القراءة التي يتوصل إليها الرحالة الأورويبون والمستشرقون الغربيون عموما في نقلهم لما رأوه وعاشوه في فترات رحلاتهم، فإنه من الواجب التعامل معها باهتمام كبير، سواء من المؤيدين ما جاء فيها أو المخالفين، إذ هي موجهة إلى القارئ الأوروبي بدرجة أولى، وعلى الذين ينتمون إلى هذه البلدان والمناطق التي غطتها هذه الكتابات- أن يعملوا على تمحيصها وتصحيح بعض ما يخطئ هؤلاء في قراءته، مع ضرورة الاعتراف بأن فضل هذه الكتابات لا ينكر، فقد كانت شاهدة على مراحل زمنية قديمة، ربما لا نجد من الكتاب المحليين من نقل أحداثها وبعض ما ميزها على الصعيد الاجتماعي، وحتى إن وجدوا فإن الحقيقة لا تتضح إلا بالكشف عن جميع أوجه الشيء المدروس ومقارنته بموضوعية وحكمة.
التعريف بغيرهارد رولفس:
هو فريدريش غيرهارد رولفس (Friedrich Gerhard Rohlfs) تعرفه موسوعة ويكيبيديا على أنه جغرافي ومستكشف وكاتب ومغامر ألماني من مواليد 14 أبريل عام 1831م، بالقرب من مدينة بريمن. عضو في أكاديمية بافاريا للعلوم والإنسانيات (Bavarian Academy of Sciences and Humanities). بدأ شبابه جنديا في سن السادسة عشر، ثم توجه إلى دراسة الطب فحصل على دكتوراه، لكن ميوله إلى المغامرة جعلته يعمل طبيبا في صفوف القوات الأجنبية خارج الحدود بعد أن وصل فرنسا عبر سويسرا. قضى ست سنوات في الجزائر سمحت له بتعلم العربية والتعرف على عادات وتقاليد الأهالي.[2]
في عام 1855، قدمت الجمعية الجغرافية في باريس جائزة خاصة لمن يستكشف الطريق الرابط بين الجزائر والسنيغال أو العكس، عبر تمبكتو. فحلم رولفس أن يكون هو المستكشف، بعد سنواته الست في الجزائر توجه إلى المغرب الأقصى كطبيب عام 1861، واستقر في شمال البلاد، وتمكن من الاختلاط بالطبقة الراقية، التي وفرت له الحماية، وسمحت له بالتعرف على عادات وتقاليد المجتمع. عام 1862 غادر طنجة في أولى رحلاته باتجاه درعة وتافيلالت، لكن محاولة اغتيال تعرض لها في أعالي قير (Guir) أجبرته على التخلي عنها. في عام 1864 وصل إلى الجنوب الوهراني، غير أن انتفاضة أولاد سيدي الشيخ أحبطت خططه، فقرر بعدها أن يبدأ استكشاف بلاد الساورة وقورارة وتوات وتيديكلت، إذ كان أول أوروبي يصل عين صالح، لكنه لم يتمكن من عبور الصحراء عبر الهقار، فانكشف أمره وشعر بالخطر على حياته ما اضطره إلى الابتعاد عن المنطقة، فاتجه إلى ناحية الشرق ليصل غدامس ثم طرابلس الغرب في الأراضي الليبية، لتنتهي بذلك رحلته الأولى[3] التي تمكن فيها من الحصول على معلومات قيمة، حول بساتين النخيل، والقصور والسكان لم تكن معلومة من قبل. منحته الجمعية الجغرافية في باريس ميدالية ذهبية.[4]
توفي رولفس في 2 جوان (يونيو) عام 1896، تاركا مذكراته المفصلة التي ترجمها إلى الفرنسية جاك ديبي (Jacques Debetz)[5] بعنوان:" رحلات واكتشافات في الصحراءVoyages et explorations au Sahara 1861-1864) ).
استكشاف الصحراء بين الرغبة والخوف:
تاريخ الاستكشاف قديم جدا عند شعوب الأرض قاطبة، ولقد سجل التاريخ أن الرحالة المسلمين قد برزوا في هذا النشاط لدوافع شتى، وخدموا بنصوصهم التي أرخت لتلك الرحلات علوما شتى مثل التاريخ والجغرافيا والأدب من خلال ما برعوا فيه من تصوير لأحوال الناس والعمران والحروب وغيرها من مستلزمات الإنسان.
أما الأوروبيون فقد دُفع بعضهم إلى اتخاذ الاستكشاف ذريعة للتمهيد للحملات الاستعمارية وجمع المعلومات الكافية للسيطرة على الأرض الغنية بعناصرها الطبيعية والتجارية، وهؤلاء في الغالب هم رحالة القرن الثامن عشر والتاسع عشر الذين اختبأوا خلف أغراض شتى ليخدموا جهات عسكرية أو حكومية معينة. كما سكن بعضهم الآخر حبُّ كشف غموض الصحراء الكبرى والوقوف على عناصرها الساحرة وهؤلاء عادة من رحالة الفترة الحديثة التي شهدت استقلال دول المنطقة، واتضاح حدودها الجغرافية.   
ولقد كانت تلك الرحلات حتى عهد قريب تتم على ظهور الجمال وبصحبة تجار القوافل، في صحراء مليئة بالمخاطر البشرية والطبيعية، فأطماع قطاع الطرق والأعداء في تجارة الغرباء تهدد رحلات هؤلاء العلماء والباحثين الذين يصحبون التجار؛ ما دفع السلطات في بعض البلاد الحريصة على سلامة التجارة إلى توفير الأمن للقوافل بشتى الطرق منها تخصيص فرق عسكرية صغيرة أو كبيرة في نقاط جغرافية معينة تسهر على حراسة القوافل وضمان سلامتها.[6]
هذا ما جعل رحلات هؤلاء الأوروبيين نزهة واستجماما ومتعة أحيانا، وتعبا وحصاد متاعب في أحيان كثيرة، يضاف إلى ذلك تربص الموت بهم لأول وشاية أو كيد من حاسد، فإن لم يكن الموت فالسجن والتنكيل، وما قصة ليون الإفريقي[7] (1494-1554) إلا مثال على ذلك.
 ولم يكن ذلك ليغيب عن بال رولفس، الذي تزامنت رحلته مع بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر، والحملات العنيفة التي قام بها في ربوع هذا الوطن الشاسع للسيطرة على أجزائه المترامية؛ فكل أوروبي هو في حكم المحتل عند عموم الأهالي، وعليه فإنه كان يعلم لا شك بأن حياته ستكون في خطر، إلا إذا اهتدى إلى الحيل التي توفر له قدرا من الحماية حتى الوصول إلى غايته.
الحيلة مدخلا للمغامرة:
صرح رولفس في مذكراته بأنه منافق، وأن التظاهر بالإسلام أضمن له خوفا من بطش الأهالي به في حال معرفتهم بنواياه، وقد فعل ذلك مذ كان بتفيلالت، فقال:"... وحتى لا يشك مسلمو البلد في مسيحيتي، وأنني بحق على دينهم الإسلام، اتجهت صوب ضريح مولاي على الشريف"[8]، ومعلوم أن زيارة الضريح في بيئة متدينة تقليديا كمنطقة تفيلالت أو الساورة أو غيرهما من البلاد هي دلالة صريحة على الإسلام عند شعب بسيط يأخذ بالظاهر ويحسن الظن، وخصوصا إذا كانت في طقوسه الشعبية المعروفة من تمسح وتقبيل ووضع شيء من النقود في موضع خاص.
ويزيد رولفس في التماس الحيلة لنفسه عندما يدعي نسبا ليس له، فيقول:" من أجل الحفاظ على سلامتي وعدم افتضاح أمر نفاقي ، فقد ادعيت منذ مقامي بقصر إقلي أنني عباسي هاشمي قرشي النسب من نسل العباس بن عبد المطلب عم رسول الله محمد، وعلى قدر هذا الادعاء كان استقبال الناس بهذه البلاد لي على الرغم من أن المثبت في رسائل التوصية بخصوصي أنني مصطفى الألماني (النمسي)."[9]
وإذا كان الذين اطلعوا على رسائل التوصية تلك لم يدققوا في هوية رولفس، لسبب أو لآخر، ولم يطرحوا أسئلة حول حقيقته، فإن طبيبا تلمسانيا كان يشك في هويته، و"يشي به عند شيخ زاوية كرزاز، ويشيع عنه أنه جاسوس فرنسي، فقد كان يفتش في أغراضه أثناء غيابه ويقول للمرابطين إن هذه الأغراض لا يمتلكها إلا مسيحي."[10] ويمكن الاعتقاد أن هذا الطبيب إنما كان يرغب في الاستيلاء على أغراضه الثمينة أكثر من إرادته الكشف عن هويته وإثبات مسيحيته، ذلك أن كونه ذا ملامح أوروبية لا يطعن في إسلامه عند الأهالي الذين يعلمون أن الإسلام يساوي بين أبنائه دون نظر إلى عرق أو ماض، وعلى الرغم من ثقل هذه التهمة، فإن الشيخ ظل لفترة معينة يصدق رولفس ويحسن إليه، ثقة بكونه مسلما. وهو ما يعطي الانطباع بأن سكان هذه المنطقة من الأخلاق العالية بحيث إذا أمَّنوا شخصا على حياته، لا يرجعون عن ذلك ولو في ظل وجود شكوك لا ترقى إلى درجة اليقين.
وفي مقابل ادعائه الإسلام، كشف رولفس في مذكراته عن عقيدة آريانية[11] أو قريبة من ذلك كان يؤمن بها، لو علمها أهالي الساورة وقتئذ لما بقي بينهم حيا، فقد كانت فيه عنصرية متجذرة لعلها شبيهة بتلك التي جسدها الفكر النازي فيما بعد عندما نادى بسيادة الجنس الآري وإبعاد الأجناس الأخرى أو إبادتها. حيث يقول:" فالذي يتحتم على الفرنسيين فعله منذ مدة خلت هو ما فعله الإنجليز بأمريكا الشمالية مع الهنود الحمر، وهو كيفية إلجائهم إلى خلف البلاد .. قد يُرى ذلك تحاملا وتصرفا بربريا وضد قواعد وأسس الحضارة في هذا العصر، والحقيقة أن القريب من حقيقة الأمر يتجلى له الأمر بخلاف من هو مُبعد عنه. ولهذا فإنه من مصلحة الإنسانية العامة يتحتم على بعض الشعوب المتأخرة فسح محلها للغير الذي يفوقها حضارة "[12]. وفي موطن آخر ينصح الفرنسيين بضرورة احتلال منطقة الساورة بكاملها بحجة أن هذه البلاد تحاك بها المؤامرات والفتن ضد الفرنسيين! ثم يؤكد أن فرنسا لن تنعم بالأمان والاستقرار في عمالة وهران إذا لم تقم بذلك.[13] ولعل ذلك ما حدث فعلا بعد ذلك.
إن تصريحا كهذا مثبتا في مذكرة يعلم صاحبها أنها موجهة للقراءة والاطلاع لدليل على أن رحلة رولفس ربما لم تكن من أجل الحصول على جائزة الجمعية الجغرافية المغرية فحسب، بل كانت أيضا مهمة غرضها إنجاز تقرير عن أوضاع المنطقة اجتماعيا وثقافيا، قد تستفيد منها القوى الاستعمارية التي كانت في أوج شراستها في هذه الفترة.
رولفس ومظاهر السلب في الصحراء:
من العادات الصحراوية التي نقل إلينا رولفس جوانب منها نجد سلب الأشخاص والقوافل المتاع والأغراض، يقوم بها أفراد وجماعات تستغل ضعف المسافرين وانقطاعهم في البراري. وعادة السلب قديمة عند العرب وغيرهم ممن شهدوا حياة البداوة والحل والترحال، وبخاصة في الأزمنة التي تكون فيها ظروف المعيشة صعبة، حتى غدا " الغزو وسيلة مشروعة لكسب الرزق، وبذلك أصبحت الصحراء ميدانا فسيحا يقاتل فيه الناس بعضهم بعضا"[14]، لا يمنعهم عن ذلك أحيانا قرابة دم أو سابق تعامل، فكيف إذا كانت الضحية أجنبيا غريبا كهذا الرحالة الذي أدرك هذه الحقيقة. وعبر عنها عندما أعرض عن التنقل يوما من كرزاز إلى الزاوية الكبيرة البعيدة بنحو ساعة مشيا على الأقدام، إذ يقول:" بلغني أن الأجانب يًسلبون بهذه البلاد ، ومما زاد الناس غرابة بشأني ها هنا أن كيف وصلت إلى هذه البلاد في رحلتي هذه سالما دون سلبي من قطاع الطرق إلى حد الساعة.. إنها بحق معجزة.." [15]
ولقد شكل السلب عند رولفس هاجسا حقيقيا، بالنظر إلى اعتزامه قطع مسافة طويلة تمتد من الجنوب الشرقي المغربي إلى بلاد جنوب الصحراء، وكل متاع يحوزه ضروري ومهم، وتعرضه للسلب قد يعرضه للأذى أو الموت إما جوعا أو قتلا إذا حاول الدفاع عن أغراضه. وقد بدأ هذا الهاجس عندما كان في المغرب في منطلق رحلته، إذ يقول: " وصلتنا أخبار تقول إن عصابة لصوص من آيت واحليل من آيت عطا قد عزمت على سلبنا وقطع طريقنا. ثم بعثت إلينا هذه الليلة نفسها تعليمة تأمر بأن نشيع الخبر بأن وجهتنا هي وادي قير عبر مقاطعة الغرفة. وهو الطريق الأقصر مسافة. بقينا في هذا الدوار يومنا الموالي مع كونه فقيرا جدا بسبب سلب عرب حميان الخاضعين تحت الحكومة الفرنسية [بالجزائر]له السنة الماضية..."[16]
ويذكر رولفس القبائل التي ينتمي إليها قطاع الطرق بشكل إلحاحي متكرر، ما يعني أنه متأكد من الأمر وعارف بخارطة هذا النشاط في المناطق التي يمكث فيها فترة كافية من الزمن. فأهالي قصر بوعنان على سبيل المثال هم أصحاب هذا الاختصاص بحسب رواياته، فقد سلبوه وعرّضوه للخطر في رحلة سابقة، يقول عن ذلك:" وصلنا الساعة السادسة إلى دوار أولاد بوعنان، أين عادت إليَّ أتعابي ومشاقي مجددا رغم الإقامة المريحة بهذا الدوار، لكنني رفضت الإقامة به لأن أهله هم إخوة أهالي قصر بوعنان الذين استباحوا مالي منذ سنتين، وآذوني حتى كدت أموت"[17]. غير أن هذه الذكرى الأليمة في ذاكرة رولفس لم تُثْنه عن المضي في مهمته، رغم كونها مصدر قلقه، فهو يكرر الحادثة في موطن آخر قائلا:" علمت أن أولاد بوعنان من ذوي منيع قد سرقوا كل مؤونة سفري من تمر ودقيق وقمح وسكر، وعدة أغراض صغيرة كانت بحوزتي، الأمر الذي اضطرني إلى أن أطلب ضيافة مرابطي زاوية كرزاز."[18] ففي كل مرة كان يلوذ بالأقوياء لحمايته على شاكلة شيوخ الزوايا وكبار القبائل، وهو أمر مألوف طبيعي.
 ولا يبدو رولفس مدعيا في نقله لهذه الحقائق، بالنظر إلى أن الصورة السلبية التي رسمها لهذه الفئة من دوي منيع قد قابلها بصورة أخرى مغايرة لأبناء عمومتهم أولاد سليمان الذين أحسنوا وفادته وأكرموه عندما نزل بديارهم. بل إنه لاحظ أن الفئة السالبة لا تحظى بالمحبة والرضا عند بني جلدتهم، إذ:" يعاملهم إخوانهم في الدين بكونهم أناسا مخادعين وسراقا ويحلفون زورا..."[19] وهذه المقابلة في واقع الأمر دليل على أن الخير أو الشر ليسا طبعا ثابتا في أية مجموعة بشرية. 
وإضافة إلى أولاد بوعنان، يحدثنا رولفس عن قبيلتين أخريين احترفتا هذه العادة، يتعلق الأمر بالعطاونة والغنانمة اللتين" اشتهرتا في كل بلاد الصحراء بقطع الطريق والنهب والسلب، وقد سبق أن حُذّرت منهما عندما كنت بوادي درعة في رحلتي الأولى؛ ففي ببلاد إقلي حاليا يوجد قبر رجل شريف من بلاد وزان بالمغرب لقي حتفه على أيدي رجال القبيلتين... وهو خير شاهد على سوء صنيع هؤلاء العرب بعابري السبل ببلادهم."[20]
ويضرب رولفس المجموعتين إحداهما بالأخرى بطريقة ساخرة فيقول: "يقول أولاد بوعنان من ذوي منيع عن الغنانمة والعطاونة: إذا جاءهم رسول الله نفسه فإنهم يسلبونه ويقطعون طريقه. لكن أجيب بلساني أولاد بوعنان قائلا: وأنتم لو حل بينكم الرب نفسه، فإنكم تقتلونه ".[21] 
ورغم هذه الصورة القاتمة التي يرسمها رولفس عن الغنانمة أو الغناميين، فقد أتيح له أن يكون برفقة غناميين أثناء خروجه من كرزاز باتجاه توات، ويذكر ذلك قائلا:" رجع الرجلان الغناميان اللذان كانا في رفقتنا إلى كرزاز لإخبار الناس هناك بسلامة سفرنا ، وقد أعطيت لكل واحد منهما مثقالا أو 2,5 فرنك، وهو بالطبع مبلغ لا بأس به بالنسبة للناس هاهنا، لأنهما تعاملا معي بلطف، وحتى أشجعهما مستقبلا لقيادة المسافرين إلى مأمنهم  عوض سلبهم ونهبهم."[22] ما يدعم الاستنتاج السابق القائل: إن السلب والنهب وإن عرفا في مجموعة أو قبيلة ، فذاك لا يعني أنه عادة جماعية، بل هو في الغالب عادة عند بعض أفرادها وتنسب الصفة إلى القبيلة مبالغة في ذم الفعل واستقباحه، ودفعا إلى تصحيحه والإعراض عنه.
واغتنم رولفس فرصة حديثه عن سلب الغناميين للمسافرين المحليين والأجانب ليصدر بعض الأحكام التي تبدو مجانية وجائرة، من ذلك قوله "والذي أعرفه جيدا أن اليمين عند المسلمين لا يلقى احتراما مقارنة بنا نحن المسيحيين، فهي عندهم كلمة تقال باللسان دون أن تراعى حرمتها"[23] ويصرح في موضع آخر بأن الغنانمة " لا يحترمون قواعد دينهم الإسلامي، فهم ينتهكون حتى حرمة شهر رمضان، ولا نجد إلا ثلاثين رجلا منهم يحترمون قواعد الدين، أي بنسبة واحد منهم بكل قصر من قصورهم! "[24] ولا ندري كيف استطاع رولفس أن يصل إلى هذا الحساب الدقيق، وهذا الاستنتاج القاطع، فمن الشائع أن البيئة التي يتحدث عنها محافظة وتقليدية في إسلامها، وتحرص كثيرا على الالتزام الديني في عمومها؛ فلقد رأينا كيف عانت فرنسا في احتلالها للجزائر بفضل الوازع الديني القوي عند سكانها، إلى جانب الرفض الطبيعي لكل احتلال أو عبودية. ولكن يبدو أن رولفس عمم هذا الحكم على المسلمين في المقتبس الأول، وعلى الغنانمة في الثاني، انتقاما مما تعرض له أثناء رحلته من حين لآخر من اعتداء على نفسه وأغراضه.  
الضيافة وأهميتها لأجنبي غريب:
اعتمد رولفس على رسائل التوصية (lettres de recommandation) التي كانت توفر له قدرا من الأمان، وتدعو الغير إلى ضيافته واستقباله. ولعل أهمها وأقواها رسائل شيخ زاوية وزان[25]، ولعله في ذلك الوقت الحاج عبد السلام بن العربي، المتوفى سنة 1892م، وقد عَرفت الزاوية في عهده توافد الناس من جميع المناطق ومن مختلف الشرائح الاجتماعية طلبا للأمان أو الصلح أو ما يحقق المصلحة. وبحسب مذكرات رولفس، فقد حصل على مجموعة من رسائل التوصية، بحسب المناطق التي يحل بها، وبما أن زاوية وزان كان لها تأثير كبير في مناطق شاسعة من المغرب والجزائر، فقد كان لتلك الرسائل مفعول قوي في نيله الحماية والضيافة معا. وقد عبر عن ذلك قائلا: "أما شيخ زاوية وزان الذي يسكن هنا ببني عباس، فقد أكرمنا ببعض الفواكه التي تنتجها الواحة، وأحسن ضيافتنا وقد دفعت إليه رسالة توصية كتبها له شيخ زاوية وزان بخصوصي."[26] وهكذا ارتبط ضمان الأمان بالضيافة بشكل آلي عند الذين نزل عندهم رولفس، ذلك أن من عادة العرب وساكنة الصحراء عموما إكرام الضيف متى اطمأنوا إليه واطمأن إليهم، بل نقلت لنا أخبارهم أنهم ربما أكرموا ضيفهم دون أن يعرفوا عنه شيئا، دلالة على تقديمهم خصلة الكرم حد التقديس.
ويتكرر الأمر عندما ينزل بزاوية كرزاز فيلقى الترحاب والضيافة اللائقة والصداقة الدافئة، يقول في هذا: "عندما استقبلني شيخ زاوية كرزاز، سلمت له عدة رسائل توصية بخصوصي، فرغم أن هذا الشيخ ليس له اهتمام بالحضارة..إلا أنني وجدت عنده ضيافة حسنة ومحبة لي، وحتى الآن لم ألق منه إلا خيرا رغم أنني لم أقدم له حتى الآن أية هدية."[27] ما يؤكد أن تلك الرسائل نجحت في توفير أمنه وسهلت مسلكه، وفي أسوء الأحوال لم يتعرض بفضلها للأذى، مثلما حدث له لاحقا، فقد ضيق عليه الطبيب التلمساني سالف الذكر حتى أقنع شيخ زاوية كرزاز بتغيير موقفه منه، بالإلحاح على جاسوسيته، فأخذت الضيافة تتضاءل شيئا فشيئا إلى أن لمح له بضرورة المغادرة إلى توات، دون أن يمنحه ضمانا بسلامته، لكن دون أن يؤذيه.[28]
على أن المؤكد أن الضيافة ليست حكرا على العرب، فكثير من القرى والمداشر التي مر بها رولفس أمازيغية أو بربرية، ووجد بها من الكرم ما شجعه على إتمام سعيه، على شاكلة دوار (آيت شَبْسي)، الذي يقول عنه:" ورغم أنه من أمة البربر إلا أنهم أحسنوا استقبالنا، فبقينا عندهم كل نهار اليوم الموالي."[29] وليس ذلك بغريب، فالعرب والأمازيغ يتقاسمون العادات والتقاليد وكثيرا من مظاهر الحياة الاجتماعية منذ الفتح الإسلامي، حتى اندثرت الفوارق بينهم عدا اللسان الذي يعبر عن الحال.
خاتمة:
تعد مذكرات غيرهارد رولفس وثيقة تاريخية واجتماعية وجغرافية مهمة جدا، وبخاصة بالنسبة لمنطقة الساورة التي تحتاج [30]إلى كثير من الأبحاث والدراسات الكاشفة عن معلومات كافية تمهد لكتابة أوسع  لتاريخها وطبيعة حياة سكانها. ويجد الباحث في بعض الكتابات الغربية ما يشجع على ذلك غير أنها تنتظر من يترجمها ويحلل محتواها ويدرسه، قصد تشكيل رؤية صادقة عن منطقة عبور مهمة في اتجاه الصحراء الكبرى.
وعلى الرغم من أن مذكرات هذا الرحالة تتحدث عن رقعة جغرافية أكبر بكثير من منطقة الساورة، إلا أن هذه الورقة اكتفت بالرحلة التي امتدت من تافيلالت إلى كرزاز، وفي زاوية محددة هي رصد جملة من الصور الاجتماعية التي نقلها غريب عن المنطقة، ويمكن للباحثين أن يجدوا في تلك المذكرات معارف شتى وجوانب حياتية جمة صالحة الدراسة والتمحيص.
ويمكن في ختام هذه الأسطر الخروج بجملة ملاحظات تتلخص في الآتي:
-       استطاع قيرهارد رولفس رصد مجموعة من العادات التي ميزت منطقة الساورة، وهي عادات ما تزال شائعة حتى الآن، إلى درجة أن القارئ العارف بهذه المنطقة ليجد سهولة في استيعاب تفاصيلها، غير أنه نقلها من منطلق مصلحي نفعي خالص بحكم كونه غريبا وطالبا السلامة التي توصله إلى هدفه.
-       إن الأحكام التي أصدرها بخصوص تصرفات الأهالي سواء الإيجابي منها أو السلبي هي أحكام نسبية لا تقبل التعميم أو الصحة المطلقة، بل قد يكون أغلبها صادر عن ردة فعل لما عانى منه الرجل من متاعب؛ فهي تخضع للظروف التي تتغير من زمن لآخر، ومن أشخاص لآخرين.
-       من حق هذا الرحالة أن يختبئ خلف شخصية مزيفة، لكن ليس من حقه أن يذم مخاوف الأهالي وحذرهم من الغرباء، وبخاصة أن الفترة تمثل بدايات وصول المستعمر الفرنسي إلى المنطقة، كما أن صورة الأوروبي في المخيال الاجتماعي سلبية لارتباطها بالكفر عقائديا والظلم سياسة، فالحروب الصليبية وما تلاها وإن كانت أحداثها بعيدة زمنا ومكانا، فإن آثارها المعنوية عمت بلاد الإسلام كلها.
-       إن الظرف التاريخي الذي أطر هذه الرحلة يعكس انعدام عوامل الدولة المدنية المنظمة، وهو ما يفسر وجود سلطة القبيلة وما ينجر عنها من عادات مختلفة تبعا لتصرف فروع القبائل أو المنشقين عنها.
-       يُضاف إلى ذلك عامل البيئة الفقيرة القاسية، التي تشجع مظاهر السلب والنهب وخصوصا ضد الأجانب بحكم عدم انتمائهم لقبائل تدافع عنهم. وقد اعترف الكاتب بهذا عندما أرجع سلوك الغنانمة إلى وجودهم في منطقة قليلة الموارد الزراعية.
-       إن الأوصاف الجغرافية والإثنية الدقيقة التي تضمنتها مذكرات رولفس تدل على أنها تصلح لتكون وثائق ذات طابع عسكري إلى جانب كونها استكشافية سواء قصد كاتبها ذلك أم لم يقصد. 

هوامش:




المقال منشور بمجلة آفاق علمية / المركز الجامعي لتامنغست . العدد 11 عام 2016
  

الخميس، 22 ديسمبر 2016


الاغتراب من خلال الموسيقى 
حزن وحنين وأشياء أخرى 

الأدب العربي القديم في كتابات المستشرقين الفرنسيين:

الأدب العربي القديم في كتابات المستشرقين الفرنسيين:
(أندري ميكال) و(شارل بيلا) نموذجين


د. رمضان حينوني
المركز الجامعي لتامنغست/ الجزائر

[أنا أقرأ الأدب القديم وحده لأن الأدب العربي
 الحديث أدب غربي بحروف عربية] شارل بيلا

ملخص البحث:
يحاول هذا البحث أن يعالج رؤية الاستشراق الفرنسي للأدب العربي انطلاقا من بعض كتب علمين تركا بصمة واضحة في مسيرة الاستشراق الفرنسي والعالمي هما شارل بيلا وأندري ميكال، وتأتي أهمية دراساتهما من كونهما تشكلت عندهما معرفة شاملة باللغة العربية وأدبها وبالنص القرآني وتأثيراته فيهما.
ونجد من القضايا الرئيسية في هذه الرؤية، أدبية القرآن والعناصر الأدبية التي تميز النص العربي انطلاقا من الدراسات الأسلوبية، إلى جانب الميزات التاريخية والاجتماعية التي صاحبت النص الأدبي عبر مساره التاريخي، مع بعض المحطات النقدي للتراث الاستشراقي الفرنسي.

الكلمات الرئيسية: أدب عربي- استشراق فرنسي- منهج تاريخي-القرآن- الأسلوب- شارل بيلا- أندري ميكال- تراث عربي.







مقدمة:
لا يمكن إنكار دور المستشرقين الإيجابي في دراسة الأدب العربي وإضاءة الكثير من جوانبه التي كانت مظلمة بفعل عوامل كثيرة أهمها ميل العرب الواضح للعلوم الدينية، وانحصار التعليم المدني في بعض المناطق الآهلة، إضافة إلى الأمية التي كانت تضرب الوسط الاجتماعي العربي حتى بداية القرن العشرين.
وبصرف النظر عما يقال عن أهداف المستشرقين من دراسة الأدب والتراث العربيين، فإن الفائدة التي جناها العرب من تلك الدراسات لا تنكر، سواء أراد المستشرقون ذلك أم لم يريدوا، بل إن ما يبدو للعرب خطأ في استنتاجاتهم كان سببا في إنتاج دراسات ترد على تلك الأخطاء وتصوبها من وجهة نظر علمية أو منهجية أو تاريخية، حتى غدت افتراءات بعضهم مكشوفة، وأغراضهم معروفة. أما ما توصلوا إليه من دراسات علمية نزيهة فقد استفاد منه العرب وثمنوا قيمته وبنوا عليه كثيرا من كتبهم في الأدب تاريخا ونقدا.
 وهكذا، ترك التراث الاستشراقي آثاره الواضحة في الدراسات العربية والإسلامية، كيف لا وقد جند ترسانة هائلة من الإمكانات البشرية والمادية للوصول إلى أهدافه متعددة الأوجه؟ لكن العقل يدعونا إلى الإنصاف في الحكم على هذا التراث، بل إن المنطق العلمي يفرض علينا أن نميز بين التيارات والتوجهات، وأن نحتكم إلى النصوص والوقائع التي ترفض أن نضع الفكر الاستشراقي كله في سلة واحدة؛ خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار الفصل بين الدراسات الدينية والدراسات الأدبية، فإذا كانت أخطاء المستشرقين في الأولى كثيرة، فإنها في الثانية أقل، على الرغم مما تمكنوا من تحصيله من آثار أدبية ومخطوطات نفيسة لم تتوفر لدى كثير من الدارسين العرب.
ولقد اهتم الاستشراق الفرنسي بالأدب العربي اهتماما متميزا، لعل ذلك يعود إلى أسباب عدة منها ريادة الفرنسيين الأدبية في أوروبا فترة طويلة، واحتكاكهم المتواصل بالبلدان العربية، بل ومكوث بعضهم في هذه الدول ردحا من الزمن، ومولد آخرين بها. لكن السبب الأهم هو حصولهم على عدد كبير من المخطوطات العربية التي ما تزال المكتبات الفرنسية تزخر بها إلى الآن. ومهما يكن من أمر، فإن الدراسات الأدبية الفرنسية حول الأدب العربي تكاد تكون المرجع الأساس لكثير من المؤلفات العربية التي تناولت تاريخ الأدب وقضاياه في الفترة الكلاسيكية. ونحاول في هذا البحث أن تطرح جملة من الأسئلة أهمها:
لماذا ظلت نظرة المستشرقين الفرنسيين للقرآن والإسلام غالبة على كثير من دراساتهم اللغوية والأدبية؟ وإلى أي مدى يمكن اعتبارها عاملا ساهم في تطوير النقد الأدبي في عصر النهضة وما بعدها؟
لماذا حرص المستشرقون الفرنسيون على التفريق بين اللغة العربية الكلاسيكية وبين اللغات العامية العربية في الوطن العربي؟ وكيف نظروا إلى مستقبل الفصحى وانعكاسات ذلك على دعاوى الحداثة؟
ما هي العيوب التي اتسمت بها الدراسات الاستشراقية في هذا المجال الحيوي في الثقافة العربية؟ 
ونتناول هذه الأسئلة من خلال المحاور الآتية:
أولا: ببليوغرافيا الدراسات الاستشراقية الفرنسية.
ثانيا: أدبية القرآن في نظر المستشرقين الفرنسيين.
ثالثا: السجع بين النص القرآني والنص الأدبي.
رابعا: أندري ميكل والأدب العربي.
خامسا: آراء شارل بيلا حول الأدب العربي.

أولا: ببليوغرافيا الدراسات الاستشراقية الفرنسية:
يجد الباحث في التراث الاستشراقي الفرنسي عددا محترما من الدارسين الذين اهتموا بالأدب العربي من جوانبه المختلفة، فمنهم من عكف على " دراسة اللغة العربية وفقه اللغة والأدب العربي أو اشتغل بالمعاجم  وما شابه ذلك، ولهؤلاء بحوث قيمة مفيدة "[i]، ومنهم من تضمنت بعض أعمالهم الاجتماعية أو الإنسانية مثل الدين والتاريخ والفنون وغيرها نتفا من إشارات إلى اللغة والأدب في سياقات معينة.
 فالنوع الأول يعرف من عنوانه غالبا، فـجاك بيرك Jacques Berque( 1910 - 1995 م) الذي فتن بالمغرب الأقصى ودرس جوانب الحياة فيه في مؤلفات كثيرة، نجد له (اللغة العربية الحاضرة) وهو كتاب طرح فيه إشكالية اللغة العربية في المغرب بين الفصحى والعامية، أو بين العربية الكلاسيكية الأكاديمية واللغة المنطوقة المستعملة، و(ترجمة معاني القرآن الكريم). بينما أولى ريجي بلاشير Regis Blacher (1900- 1973 م) اهتماما بالأدب العربي، حين ألف عمله الشهير (تاريخ الأدب العربي Histoire de la Litterature Arabe) على غرار ما فعل بروكلمن الألماني، وهو عرض لنشأة التدوين التاريخي في الإسلام في ثلاثة أجزاء، توقف عند القرن الثاني الهجري أو الثامن الميلادي، كما كتب (شاعر عربي من القرن الرابع الهجري: أبو الطيب المتنبي)، وأنجز ترجمة فرنسية لكتاب (طبقات الأمم) لصاعد الأندلسي. وترجمة لمعاني القرآن الكريم بعنوان (القرآن)، عكست قصور ترجمات المستشرقين في نقل المعاني المضبوطة لبعض ما جاء فيه لأسباب معينة. وفي مجال اللغة ألف كتابا بالاشتراك مع ماوريس ديمومبين بعنوان (نحو العربية الفصحى Grammaire de l'Arabe Classique).
أما تلميذه اندري ميكال André Miquel فكتب كتابه (الأدب العربي)، وهو مسح مختصر للأدب العربي في عصوره المختلفة، وألف شارل بيلا Charles Pella (اللغة والأدب العربي)، وغاسطون فييت Gaston Wiet (1887-1971) كتابه( مدخل إلى الأدب العربي  Introduction a La Litterature Arabe).
أما النوع الثاني فنجد فيه إشارات أو مباحث عن اللغة والأدب لها علاقة بمجال إنساني أو اجتماعي معين، مثل ما نجده عند إيميل درمنجم E.Dremenghem  في كتابه (محمد والتقاليد الإسلامية)، وروبير مونتران Robert Montran في كتابه (التوسع الإسلامي)، ودومينيك سوردال  Dominique Sourdel في عمله (تاريخ العرب) و(الإسلام)، وماكسيم رودنسون Maxime Rodinson في كتابه (محمد) (1961م) وبلاشير في عمله (قضية محمد Le Problème de Mahomet)، الذي لخص فيه أبحاث المستشرقين الذين كتبوا عن حياة النبي، وغيرها كثير.
ولا يتوقف الأمر عند هذه الأسماء؛ فثمة غيرها تعددت رؤاها واستنتاجاتها، مما استوجب الاهتمام بها عربيا إما لتصحيح بعض ما جاء فيها بحسب النظرة العربية الإسلامية، أو تثمينه والبناء عليه.


ثانيا: أدبية القرآن الكريم في نظر المستشرقين الفرنسيين:
مضت الدراسات الأدبية واللغوية جنبا إلى جنب مع الدراسات الإعجازية التي ركزت على التفوق الذي حققه القرآن الكريم على مستوى التوظيف البياني خاصة، والفترة الممتدة بين القرن الثاني والخامس تركت هذا الانطباع وعمقته، حتى غدا كل إنجاز أدبي يقاس بمدى تشربه من روح لغة القرآن وبيانه.
وكان طبيعيا أن يلتفت المستشرقون إلى القرآن الكريم ليس فقط بوصفه كتابا دينيا، بل أيضا بوصفه جامعا لخصائص الأدب ومهيمنا عليه، بل إن منهم من تعامل مع القرآن على أنه نص أدبي له تأثره الواضحة بالشعر الجاهلي الذي امتد قبله لقرن ونصف على الأقل وتأثيراته في الشعر العربي في عصوره المتتابعة بعده؛ فماكسيم رودنسون وضع أدبية القرآن خارج نطاق المألوف من الأدب عند العرب، فهو يرى" أن الرسالة التي تلقاها محمد هي أقرب إلى الشعر الخالص، بقدر ما تبتعد عن الشعر التقليدي"[ii]، وقد توصل إلى هذا الاستنتاج بعد مقارنة عميقة بين لغة الشاعر والخطاب القرآني الذي استثمر خصوصيات اللغة، بشكل يختلف كلّ الاختلاف عما يستطيعه الشاعر.
 أما غاسطون فييت فقد خصص لهذا الموضوع حديثا في كتابه(مدخل إلى الأدب العربي)، إذ ألحّ على أن  النص القرآني ليس خارجا عن نطاق" نثر الشاعر" رغم اعتباره قمّةً من حيث القيـمة الأدبية.[iii] وكان فييت حريصا على اعتبار هذا النص حلقة وسطى بين الشعر وبين النثر في الأدب العربي، وقد عبّر عن ذلك في استنتاج مفاده " أن من بين مزايا القرآن أنّه كان إيذانا بانطلاق النثر العربي."[iv]
  وربما أراد من هذا الوصف ما أراده سيد قطب، حيث يقول رداً على رأي طه حسين في القرآن: "فالقرآن نثر متى احتكمنا للاصطلاحات العربية كما ينبغي، ولكنّه نوع ممتاز مُبْدِع من النثر الفني الجميل المتفرِّد."[v]
 وإذا كانت هذه الآراء في أغلبها نظرية وعامة، وردت ضمن وصف شامل للنص القرآني، فإن آراء أخرى انبنت على أساس تطبيقي ملموس؛ من ذلك ما توصل إليه جاك بيرك في دراسته لبعض سور القرآن، مؤكدا على أهمية الدراسات الصوتية القائمة على التحليل النصي، في النظر إلى الجانب الإيقاعي في القرآن الكريم، هذه الدراسات التي تخرج عن المجال الفيلولوجي الذي ساد طويلا؛ ففي سورة النمل على سبيل المثال يشير بيرك إلى أهمية الدراسة الفونولوجية للنص، التي تساعد على فهمه؛ فالتغيرات الصوتية مهمة، ويلح على أن تناسق النص يمكن أن يقود إلى فهمه[vi]، فهو لا يفصل النظام الموسيقي عن مجال الدلالات والمعاني، مما يعني أن الإيقاع القرآني، ومهما قيل عنه من حرارة وقوّة وبروز بما يشبه الشعر، فإن المعنى هو الذي يقوده، ويتحكّم في مساره. ولعلّ هذا ما ألحّ عليه الدارسون العرب، الذين وضعوا نصب أعينهم أن القرآن كتاب دعوة قبل أيِّ اعتبار آخر، وأن كنوزه المعرفية والشكلية ما هي إلا خادمة لغرضه الأساس ذاك.
ولقد كانت لبلاشير معرفة بقيمة القصة في القرآن تنطلق من محيطه الأدبي والفكري، من ذلك اعتباره أن" اللغة العربية تضفي على الحكاية طابعا غريبا، بميزتها المكثفة، وباهتمامها بالتذكير أكثر منه بالوصف. "[vii]
   كما وقف بلاشير في كتابه (تاريخ الأدب العربي) على بعض الصور القرآنية، خاصة تلك التي حفلت بها الفترة المكية مثل الصور الأخروية الواردة في سورة الغاشية، والمبنية على أساس التقابل بين الأبرار والأشرار، ثم قال معلقا: "إن للأوصاف الأخروية الواردة كما هي في السور طابعا استحضاريا مثيرا مميزا للذهنية العربية، وإن ترديد الأجزاء التفصيلية ذاتها، عوضا عن أن يسبب كللا، فهو يؤثر على العـقل في شكل هاجس ثابت، مُطلِقا زمرة من التصورات الثانوية التي لا تؤلف  دون ريب لوحة، ولكنها تفجر محيطا." [viii]
  وهكذا تستوقف بلاشير في الآيات المكية عموما والقصيرة منها على وجه الخصوص القوّة في تصوير أشياء غيبيّة، من خلال مظاهر ماديّة، فتكون عناصر الصورة منتزعة من الحياة الدنيا، وكأنما تدفع القارئ إلى تصور المصائر الأخروية بناء على ما يمكن أن يدركه في عالمه الأرضي. والمقاربة بين العالمين هي الكفيلة بدفع المرء إلى تصـحيح مساره، آخذا بعين الاعتبار موقع المتع  واللذات أمام  الفزع  الناتج عن التهديد بيوم الحساب.[ix] 
هذا الذي دفع المستشرقين إلى الإشادة بدور البيان القرآني الكبير في التأثير في القارئ، فإذا كان فريدريك نيتشه يعتبر حقيقة اللغة في أنها "جيش متحرك من الاستعارات والكنايات والتشبيهات المجسمة"[x]، فإن العربية -على ما يبدو- من أكثر اللغات تجسيدا لهذا المعنى، بشهادة المستشرقين. يقول جاك بيرك: إنّ " البيان العربي يلح على خصائص من قبيل غنى المجاز، والإيجاز، والإيقاع الموسيقى". [xi] وهي إشارات لا تخرج عن كونها إعجابا بهذا البيان في إطاره الأدبي، دونما ربط له بإعجاز القرآن كما نجده عند الدارسين العرب، وسبب ذلك في نظرهم هو " أن الإعجاز الذي ارتبط بالقرآن لم يكن أبدًا مهمّة أدبية، بل يعود إلى قدسية مُنْشِئه." [xii]

ثالثا: السجع بين النص القرآن والنص الأدبي
 ليس قصدنا الإحاطة في هذا البحث المحدود بالمسائل الأدبية التي أثارها المستشرقون في تناولهم للقرآن الكريم، لكن يمكن التوقف مثلا عند ظاهرة السجع التي حظيت بحديث مستفيض من جموع المستشرقين، لارتباطها بنمط البيان العربي قبل الإسلام، كما تبدو على الأقل من خلال نصوص الكهان والوصايا والحكم والأمثال وغيرها. فجاك بيرك، يرى" أن القرآن جاء بنموذج مثالي للسجع، في إيقاعه وجرسه، لكنْ، بدلا من أن يكون مدعوما بالرسالة النبوية حدث العكس، إذ غُيب السجع ، ليطوى في التعابير الشعبية "[xiii]، بسبب خوف الكتاب من تمثيل أسلوب القرآن، حسب اعتقاده.
 ويدلي بلاشير برأي في هذا الشأن، ويُعيد الإهمال الذي أُصيب به السجع بعد نزول القرآن إلى سببين: الأول هو ارتباط هذا الشكل من النثر بطقوس الكهّان، مما حال دون اعتباره أداة تعبيرية خاصة، والثاني هو اعتبار سجع الكهّان شيطانيّ المنشأ، لاختلافه الجوهريّ عن الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.[xiv]
 لكن بلاشير لا يبدو مقتنعا تماما بهذه الأسباب التي أبعدت السجع عن دائرة التعبير والاهتمام، بل يرى ذلك" شبهة"،لأن القرآن ملك القدرة على" تأريخ فجر عهد جديد للسجع."[xv] وإذن فالفاصلة ما هي - في النهاية - إلا الشكل الجديد للسجع العربي.
 وفي هذا الاتجاه تتجه أغلب آراء الغربيين؛ فهم يرون أن وجود السجع في القرآن، ما كان ليُغطى عليه، لمجرد ارتباطه  بالكهان قبل الإسلام، وينتقدون ضمنيا غيابه عن الكتابة الأدبية في فترة ما بعد الوحي مباشرة، على اعتبار أن قيمته في أدبية النص واضحة. كما أنّهم يجمعون على أنّ اختلافه عن سجع الكهان، لا يعني كونه نوعا جديدا، بل هو سجع اكتسى شيئا كثيرا من الحرية والطلاقة، وهي نظرة لا تلتقي - كما رأينا - وما ذهب إليه الباقلاني وغيره، من انتفاء السجع عن القرآن جملة.
         إن حديث المستشرقين عن تغطية السجع بالفواصل، إشارة إلى تكلُّف المسلمين عناء إبعاد القرآن في شكله، على الأقل، عن أشكال التعبير السائدة في زمان نزوله، غير أن تميّز القرآن لا يدفع إلى نفي أنه جاء في لغة العرب بكل ما فيها من ألوان التعبير المعروفة لديهم، بل لهذا السبب في نظر كثير من الإعجازيين تحدى الله تعالى العرب على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وهم في النهاية يرون أنّ السجع الذي يعرفونه لا يُشبه هذا الذي يجدونه في كلام الله، وعلى ذلك بنوا حكمهم.        
ومن المستشرقين من تفهم هذا الطرح الذي فرضه منطق الإعجاز، فقد أدرك دومينيك سوردال هذا الفرق بين النمطين عندما قال:" إن الشكل الخارجي للقرآن يُذكِّر بأسلوب الكهان، الذي منع محمد اعتباره منه، كما أن آيات القرآن تنفلت من التبعية للقافية، عندما يقودها المعنى."[xvi] بينما يكتفي ماكسيم رودنسون بالتعبير عن قيمة الإيقاع في القرآن الكريم، فبعد أن حدثنا عن خصائص العربية من الناحية اللسانية والحركية والإيقاعية، يبلور رأيه قائلا:"إنه من الصعب الإفلات من أثر الحركة المطّردة المتدافعة، ومن جرس اللفظ، كما أن تجدد الفكرة والفعل والإيقاعات تسحر المستمع، وتقربه من حالة تنويمية، بحيث يستقبل إيحاءات الكلمة، واللحن، والصورة بدون مقاومة، وكأنه في حالة وجد.[xvii]
وهكذا نجد فريقا من الدارسين لا ينفون وجود السجع في القرآن الكريم، ولكنهم يلاحظون أنه عنصر واحد من عناصر شتى لفن القول الأدبي، وعليه فلا يجب أن يركّز على اعتباره ظاهرة مميّزة للنص القرآني. وهذا التركيز على المستمع في الحديث عن الإيقاع، قد يعطي الانطباع بأنه موجه إلى ما يمكن أن نسميه (التأثير العاطفي)، لا التأثير العقلي. ويبدو أن الأمر- في النهاية- جزء من النظرية القائلة بأن العرب أمة عاطفية، مثلها مثل أية أمة بدائية، بحسب المنطق الأنثروبولوجي. فعندما يقول مستشرق مثل غاسطون فييت في طبيعة الآيات المنزلة: "لا ننس أن الأمر يتعلق بمقاطع موجهة إلى ضرب المستمع لا القارئ "[xviii]، فإننا نلمس التقصير في فهم القيمة المزدوجة للإيقاع: القيمة الصوتية والقيمة الدلالية؛ فالجملة القرآنية أبعد ما تكون عن القوالب المنتظمة التي تحكم الشعر، مما يستوجب وجود البعد بين إيقاعيهما، الأمر الذي جعل شعراء في صدر الإسلام يخرصون عن قول الشعر إجلالا للنص القرآني.
لقد سقنا هذا الحديث عن السجع بغرض بيان الأهمية التي أعطاها المستشرقون لهذا العنصر الأدبي لأغراض شتى، فهم ربطوه بطبيعة الوحي تارة، وبالطقوس المستوحاة من المصادر الخارجية تارة أخرى، كما جعله بعضهم علامة أدبية عربية سيكون لها امتداد في الأدب العربي حتى عصر النهضة العربية نهاية القرن التاسع عشر.

رابعا: أندري ميكال والأدب العربي:
أحاط أندري ميكال[xix] علما بالأدب العربي قديمه وحديثه، وسار على نهج أستاذه بلاشير في كثير من الأحكام التي أصبحت بمثابة القواعد الثابتة لكل دارس غربي للتراث الأدبي العربي، على الرغم من تحرره من القيود التي يشعر الدارس العربي أنه ملتزم بها، أهمها قدسية القرآن وسلطة الدراسات التي بُنيتْ عليه. لهذا وجب التعامل مع آرائهم بعلمية لا بعاطفة الميل إلى ما ذهب إليه نقادنا ومفكرونا الأوائل، فهم يخاطبون القارئ الغربي بالأساس؛ دون أن يعني ذلك طبعا أن المستشرقين على حق ابتداء في ما توصلوا.
وأندري ميكال يرى أنه: "إذا لم يكن القرآن -تاريخيا- أول عمل أدبي عربي لأنه سبق بالشعر الجاهلي، فإنه يعد بحق أول عمل في الآداب العربية، فأهميته الخالصة والنتائج التي ترتبت عنه جعلت منه أثرا خالدا"[xx]، ويستدرك في هامش نصه أن القرآن في نظر المسلمين ليس عملا أدبيا وإنما وحي من الله أنزله جبريل على النبي محمد.
 هذه هي النافذة التي دخل من خلالها هذا المستشرق إلى آرائه المتعلقة بالقرآن الكريم والأدب العربي القديم؛ إذ ينصبُّ كل حديث عن أحدهما من خلال ما يتفق أو يختلف فيه عن الآخر. ففي مجال الإيقاع مثلا يقول أندري ميكال: "إن تلقائية الجملة تتبع مقتضيات الوحي، ومن أجله وحده تُحدث الإيقاعات والقوافي، التي تخضع لهذه التلقائية، اختلافا مُهِمًا مع الشعر المحصور داخل بنائه الصارم، وتعقيدات العروض."[xxi]
هذا التميز الذي يفرضه النص القرآني يعود في نظر ميكال إلى عقيدة الإعجاز- كما أسماها- التي تفرض وضع النص القرآني فوق أية صيغة تعبيرية يمكن أن تنشأ في التعبير، يقول:" إن الارتياب الذي أُخِذ به السجع، بسبب الاتّهامات التي وجّهت إلى النبي، جعلته مدعوما بآليات أخرى أكثر تعقيدا، تمثلت في استعمال القرآن لنثر- سواء وصفناه سجعا أو لا- يلعب فيه الإيقاع والترديدات الصوتية دورا كبيرا. وبموازاة ذلك، أعادت عقيدة الإعجاز طرح نموذج  للتعبير، والإعلان عن فشل أيّة محاولة لمعارضة أسـلوب القرآن. "[xxii]
وإذا خرجنا من دائرة الرؤية الاستشراقية لعلاقة القرآن بالأدب العربي في ملامحه الأولى، وجدنا أندري ميكل يجول بنا في مجال الأدب العربي تاريخيا بالشكل الذي نجده عند بلاشير وبروكلمان وغيرهما. ويمكننا الوقوف هنا على بعض الرؤى التي عبر عنها بخصوص النثر والأدب، وهي التي بنتها الدراسات الاستشراقية منذ أمد غير قصير، وأصبحت عماد كثير من الكتب العربية التي تعنى بتاريخ الأدب العربي.
       لقد رأى ميكال أن نشأة النثر العربي القديم تعود إلى الحقبة العباسية بالأساس، لأنه في المراحل السابقة لم يكن واضح المعالم أو لافتا للانتباه على الأقل، ويعود ظهور النثر العربي القديم في نظره إلى مجموعة عوامل محتملة أهمها:
-        قيام تجارة نشيطة إلى المناطق البعيدة، وبخاصة إلى البلاد التي لها تقاليد أدبية عريقة كبلاد الفرس والروم، وروادها نفر من الكتاب والبحارة والرسل والرحالة الذين قاموا بتسجيل ملاحظات رحلاتهم.
-       المدن الإسلامية المفتوحة خارج الجزيرة العربية مثل دمشق والقاهرة وما حدث فيها من تداخل ثقافي بين العرب الفاتحين والسكان الأصليين ذوي الثقافة المختلفة.
-       تشكل نظام إداري عماده الدواوين التي كانت تستقطب الكتاب، وتنتج الوثائق المختلفة من رسائل وإحصاء وغير ذلك.
-       إضافة إلى الاكتشافات العظيمة التي ظهرت في الفترة العباسية وما تلاها، ونتج عنها عدد كبير من المؤلفات في مختلف العلوم.[xxiii]
      ويركز ميكال على تأثير العنصر غير العربي في تنشيط الكتابة النثرية في الدولة العربية، بل يلمح إلى أن هذا النثر إنما يعود فضله إلى هؤلاء الموالي[xxiv] الذين أتاح لهم الحكم العباسي فرصة خدمة اللغة العربية بما استفادوا منه من عناصر أدبية أعجمية.
         وفي موضوع متصل، يؤكد المستشرق أن كلمة أدب في النثر العربي القديم، وخصوصا بدءا من القرن العاشر الميلادي لم تكن تعني حقلا معينا من المعرفة كما هو معروف اليوم، أو لم تكن تعني فقط الأدب الصافي المعروف من خلال المعايير المعجمية والأسلوبية التي طرحتها نظرية الإعجاز على سبيل المثال، بل "مس جميع مجالات الأدب  التي تخرج عن المقياس الصارم للكتابة بوصفها فنا أو أسلوبا فنيا متميزا. فالكتابة في مجال التاريخ والرحلة والاستكشاف والجغرافيا بل حتى تلك التي تحتوي على قدر من التقنية، كل ذلك كان يندرج بشكل أو بآخر تحت مسمى الأدب[xxv].
وفي كل هذه الحالات التي يتجسد فيها الأدب بمعناه العام، يرى "ميكال" أن السجع بوصفه نسقا إيقاعيا والبديع بوصفه زخرفا استطاعا بسط سلطانهما على الكتابة العربية، مثلما نجده عند أبي العلاء المعري في رسالة الغفران، أو بديع الزمان الهمداني في المقامات، مع التفات ملحوظ إلى ما يمنح النص القوة في المعاني والنسق البنائي، على الرغم من أن هذه الصورة ستتعرض فيما بعد القرن الرابع للتغير والتشويه.
لكن أندري ميكال لا ينظر إلى وظيفة النثر العربي القديم الأساسية إلا بوصفها "توضيحية أو تعليمية أو قصصية، وهو في خدمة ذلك يستطيع أن يحاول، إذا حالفه الحظ، أن يكون الانعكاس المتواضع الأمين لذلك الضوء المطلق الذي يرمز إليه القرآن."[xxvi]
وإذا شئنا بلورة رأي عام حول نظرة ميكال للأدب العربي، أمكننا القول إن خبرة هذا المستشرق في البحث المرتبط بالأدب العربي والثقافة العربية جعلته قادرا على فهم جذور وخصائص واتجاهات ثقافة تختلف عن الثقافة التي ينتمي إليها، فالتزم قدرا مقبولا من الموضوعية في تشريح الظاهرة الأدبية العربية انطلاقا من اللغة التي تمكنت من الصمود في وجه التغيرات والأحداث بفضل هذا القرآن الذي ضمن لها البقاء والتجدد. ويمكن أن يعد كتابه بعض كتبه الأخرى تلخيصا محمودا للصورة الموسوعية المفصلة التي رسمها الاستشراق لأدبنا العربي، والتي بنى على أساسها كثير من الدارسين العرب تأريخهم لأدبهم، بل ولتاريخهم أيضا.


خامسا: آراء شارل بيلا[xxvii] في الإدب العربي:
ساهم تواجد بيلا في المغرب العربي بين الجزائر والمغرب، في تأثره بالأدب العربي، وولعه بكل ما يرتبط بالعرب من تراث، فقد تمكن إلى حد ما من اللغة العربية، وأسعفه المنهج التاريخي والاجتماعي في دراسة ذلك التراث بما يكشف عن مميزاته وخصائصه، كما نوع الدراسات الأدبية بين قديم وحديث؛ ففي الوقت الذي خصص فيه جهدا واسعا للجاحظ والبيئة العباسية، نجده يتتبع اللغة العربية الحديثة في دراسات كثيرة، بل يتجاوز ذلك إلى البحث في المستويات اللغوية التي تشكل ثقافة العرب، والمغاربة منهم على وجه الخصوص.
فقد تناول شارل بيلا في مؤلفه (اللغة والأدب العربي) تاريخ الأدب العربي في مراحله المختلفة، وبشكل غاية في الاقتضاب، من خلال الكشف عن خصائص اللغة العربية في شكلها الأدبي والشعبي، في أربع عصور هي العصر الجاهلي إلى حدود سنة 750م، فالعصر الإسلامي الممتد من بعثة النبي إلى الغزو المغولي وسقوط بغداد عام 1258م، فمرحلة عصر الظلمات الذي ينتهي سنة 1800م، ثم عصر النهضة بدءا من هذا التاريخ.
ولم يفت بيلا الخوض في القرآن الكريم وظلاله الأدبية، فمن آرائه التي سجلها في كتابه هذا، قوله: إن" ذوق العرب للتعابير المجازية المكثفة خاصة في الصيغ المثَليّة كان دائما حيا."[xxviii] ويقول في موضع آخر: " لقد وُجِّه المجاز إلى لفت النظر إلى مواطن الجمال في القرآن"[xxix]، وهو يدرك أن هذه التعابير المجازية هي العمود الأساس لكل بناء أدبي فني، وقد أبدع العرب فيها من منطلق المثال القرآني الماثل في الأذهان.
أما عن السجع فهو يقر بشكل واضح باختلاف الفواصل القرآنية عن السجع المعروف عند العرب. فعلى الرغم من أن "عقيدة إعجاز القرآن هي التي وقت الأدب العربيّ من هذا النوع من التعبير"[xxx]، إلا أن" القرآن كرَّس السجع، بعد أن كان الكهان قد استعملوه قبل الإسلام"، والدليل هو أنه عاد إلى نشاطه وقوّته بعد قرنين أو ثلاثة، وكأنه يريد التلميح إلى أن السجع أصيل في اللغة العربية كما هو أصيل في القرآن الكريم.
ولا نجد اختلافا بينا بين هذا الكتاب وتلك التي كتبها بلاشير وميكل وغيرهما، إذا استثنينا حجم العمل بطبيعة الحال. وبخاصة تركيز جمهور المستشرقين على دور غير العرب في المساهمة في إعطاء الأدب العربي تنويعا في الإنتاج ودفعا في وتيرة التطور، وميزة في التعبير، وهي الإشارة الواضحة إلى تأثر الأدب العربي بالرافد الأجنبي والفارسي منه على وجه الخصوص، أو إلى التقليل من قيمة الإبداع لدى العربي رجل الصحراء الجرداء القاحلة عديم الخيال والابتكار.
لقد ترددت هذه المقولة كثيرا عند المستشرقين، وجسدوها من خلال الإشادة الشعراء والناثرين الأعاجم كابن المقفع في كليلة ودمنة، وأبي نواس وبشار بن رد في الشعر، وغير هؤلاء، وكأنما أهملوا أن البيئة العربية التي عاش فيها هؤلاء الموالي هي التي صقلت مواهبهم وشكلت إبداعهم، وأن عبقرية اللغة العربية هي التي أتاحت لهؤلاء وغيرهم أن يخلدوا في التاريخ الأدبي. 
غير أن الغربيين عموما كثيرا ما يقعون في شيء من التناقض في تناولهم للقضايا العربية، تاريخية أو أدبية، قديمة أو حديثة. من ذلك أننا إذا قارنا ما ورد في كثير من دراسات بيلا مثلا حول اللغة والأدب العربي نجد إشادة بهذه اللغة التي استطاعت أن ترتفع باللهجات القبلية البدائية إلى مصاف اللغة الحضارية، والتي تمثل أمة تصبو إلى استرجاع مجدها الذي تسببت في إضاعته جملة من الظروف، لكننا نجد إلى جانب ذلك آراء أخرى من قبيل قوله:" يعتري القارئ بصورة عامّة الملل عند قراءة الآثار العربيّة مهما كان موضوعها وعنوانها مغريين"[xxxi]
لا أدري إن كان بيلا يقصد بذلك أن تبويب المسائل وترتيب المادة هي مبعث الملل، أم أن الملل من اللغة العربية نفسها بوصفها تعبيرا عن فكرة معينة؟ يدفعنا الترجيح إلى الاحتمال الأول، خصوصا إذا كان يشتغل على المخطوطات العربية القديمة، وإلا كيف نفهم اشتغاله على أعمال الجاحظ صاحب الحيوان والبيان والتبيين ويشعر بما عبر عنه؟
ولا يغب عن علمنا أن تمكن المستشرقين من اللغة الغربية ليس تاما مثل أهلها، وإذا أخذنا بمنطق خصوصية اللغات الشرقية مقارنة باللغات الغربية، فإننا نجد المستشرقون وإن أجادوا فهم العربية، فهم لم يجيدوا تذوقها كما ينبغي أن يكون، وإذا كنا لا نعيب عليهم هذا تحديدا، لبعدهم عن طبيعة العربي الأدبية، فإننا نعيب عليهم خوضهم في بعض المسائل الدقيقة التي لم يصلوا فيها إلى مستوى التحكم فيها. ثم إنهم أحيانا "يتعاطون مع الموضوعات المتناولة من منظور شخصي ومصلحي، ويتصرفون في فهم النصوص وترجمتها، ونقلها إلى لغاتهم، حسب أمزجتهم و تصوراتهم."[xxxii]
ومهما يكن من أمر، فإننا لا نريد من المستشرقين أيا كانت توجهاتهم أن يمدحوا تراثنا ويثنوا عليه، فحسبنا وقد أتيح لهم الحصول عليه قبل الدارسين العرب، وبعد تمكنهم من المناهج البحثية المتمكنة، أن يدرسوا هذا التراث وأن يكشفوا عن جوانبه المختلفة، أما الأحكام التي يمكن أن تصدر عنهم فمن اليسير نقدها والرد عليها. ولقد أشرنا في بداية     هذا البحث أن رسالة المستشرقين موجهة إلى الأوروبيين والغربيين أكثر مما هي موجهة إلى العرب المسلمين، وعليه فمن الجحود أن ننكر إيجابية تلك الدراسات الاستشراقية القيمة رغم ما تحويه من آراء قد نصفها بالتحيز أو ربما العدائية، ولقد عبر عن ذلك عبد الحليم النجار عندما قال في مقدمة كتاب بروكلمان Carl Brockelmann:" كان تعريب كتاب (تاريخ الأدب العربي) لكارل بروكلمان حلما راود كل قارئ بالعربية، حينما يبحث في علوم العرب وآدابهم، أو يحاول سبر جهود العلم العربي ومتابعة خطواته في تأسيس ثقافة العالم الجديد وتنمية حضارته".[xxxiii] وهي الرؤية التي تتناسب ومبدأ البحث والتطوير في حقول العلم كافة.
خاتمة:
لم يترك المستشرقون شاردة أو واردة في ثقافتنا وأدبنا وتراثنا عامة لم يتطرقوا إليها في أبحاثهم ودراساتهم، فلقد تمكنوا في ظروف تاريخية معينة أن يحصلوا على مادة الدراسة في شكل مخطوطات أو تواجد احتلال أو رحلة استكشاف أو مهمة تدريس في البلاد العربية مترامية الأطراف. وهكذا تمكنا من قراءة كثير من جوانب شخصيتنا من الآخر الأجنبي، وعانينا في ذلك بعض المعاناة بفعل الاختلاف في الرؤية والتحليل.
لكننا غنمنا منهم دراسات كانت منطلقا لنهضة أدبية كبيرة، قامت على سواعد الأدباء والنقاد العرب الذين صقلتهم تجارب الاحتكاك التاريخي بالأوروبيين منذ بداية القرن العشرين خاصة، تلك الدراسات التي انطلقت من حيث انتهت أبحاث أغلب المستشرقين الفرنسيين والألمان والإنجليز، الذين دفعهم الانتماء إلى أمة قائمة على احتلال الشعوب الصغيرة إلى الاهتمام بتراث أسال لعاب الباحثين منذ الحروب الصليبية أو قبلها.
وكان الرواد في تلك الدراسات هم الفرنسيون الذين نحصي منهم الكثير قديما وحديثا، وهم الذين أقاموا المعاهد والمدارس الخاصة باللغات الشرقية عموما، واللغة العربية بخاصة، بحكم ارتباطها بكتاب ديني شكل أمة كاملة متكاملة في شتى الاتجاهات العملية والمعرفية. وهكذا عكفوا على دراسة هذه اللغة وأدبها وشعوبها ودينها وتاريخها وكل ما يتعلق بها بشكل موسوعي تارة، وبشكل مختصر تارة أخرى.
ومن النتائج التي توصلنا إليها في هذا البحث الموجز بمكن ذكر ما يأتي:
-       لم تنفصل دراسة اللغة والأدب العربي يوما عن دراسة القرآن الكريم، سواء بوصفه وحيا إلهيا أو كتابا أدبيا لا يختلف عن بقية الكتب التراثية.
-       اتخذ كثير من المستشرقين من أدبية القرآن الكريم دليلا على سيطرة النموذج القرآني على النصوص الأدبية في عصور مختلفة، مع الانحراف أحيانا إلى استنتاج بشرية القرآن خصوصا من خلال ظاهرة السجع التي سبقت النص القرآني وهيمنت على جانب مهم من تلك الأدبية.
-       تركيز المستشرقين الذين تناولوا الحقبة الإسلامية بمراحلها الثلاث على الخلافات بين الفرق والأعراق وأثر ذلك على الأدب العربي ولغته، وبخاصة ما تعلق بدور العنصر غير العربي في نشأة الأنواع التعبيرية المختلفة وتطورها، وهي في نظرنا قراءة استشراقية فيها شيء من المبالغة، أو شيء من الإشارة غير البريئة إلى تفوق العنصر غير العربي.
-       إن مساهمة الفرنسيين في دراسة اللغة العربية وأدبها تعود إلى احتكاكهم التاريخي بالعرب، فحملة نابليون التاريخية واحدة من شواهده، وما تلاها من حملات استعمارية عمق ذلك، وكان من نتائج ذلك انتشار الدارسين الفرنسيين في أرض العرب شرقا وغربا تحت أغطية كثيرة، وتمكنوا من الحصول على نفائس الفكر العربي، وإذا كان جزي منه توجه إلى مساندة الاحتلال وخدمته، فإن جزءا آخر خدم الأدب العربي وكان قاعدة انطلاق للدراسات العربية المتصاعدة.
        وأخيرا، نعتقد إن الكلمة الفصل هي تلك التي يصنعها العرب عن أدبهم ولغتهم، انطلاقا من أبحاثهم وقناعاتهم وإعادة قراءة تراثهم. وكل ما سوى ذلك هو أداة مساعدة على الدراسة والفهم والتمحيص ليس إلا؛ ومهما قلنا عن سلبيات الدراسات الاستشراقية، فإننا نعتبرها النواة لكل دراسة جادة لتراثنا اللغوي والأدبي. يبقى فقط أن نتخلص من عقدة الارتباط بالآخر والتبعية له لنتمكن من بناء رؤية موضوعية لما نحن عليه، ثم نخطط لما نريد أن نكون عليه.




[i]  محمود حمدي زقزوق. الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري. 79. دار المعارف- مصر
[ii]    Maxime Rodinson . Mahomet . 126. Le seuil. Paris .1961      
[iii]    Gaston Wiet. Introduction à la litterature arabe.39. ed.G.P. Maisonneuve et Larose. 1966
[iv]   Ibid.40
[v]      سيد قطب. التصوير الفني في القرآن . 96 . دار الشروق -بيروت - القاهرة . ط7 . 1982
[vi]    Jacques Berque .Langages arabes du présent.210. Gallimard.1973    
[vii]   ريجس بلاشير . تاريخ الأدب العربي، ج2. 242. تر: إبراهبم الكبلاني. ديوان المطبوعات الجامعية- الجزائر .
[viii]    المرجع نفسه. 242 .
[ix]   رمضان حينوني. المستشرقون وبنية النص القرآني . دار اليازوري – عمان. ط1 2013
[x] ينظر: إدوارد سعيد. الاستشراق. 215. مؤسسة الأبحاث العربية- بيروت, ط5. 2001.
[xi]  Jacques Berque . L’islam au temps du monde.31. Sindbad- Paris. 1984.  
[xii]  Ibid. 44
[xiii]  Jacques Berque. Langages arabes du présent. 175.
[xiv]    رمضان حينوني. المستشرقون وبنية النص القرآني.202.
[xv]    بلاشير. تاريخ الأدب العربي. ج2. 229
[xvi]   Dominique Sourdel . L'Islam . 12. " Que sais - je " PUF  Paris . 13e edi . 1984     
[xvii]   Maxime Rodinson . Mahomet . 124. Le seuil. Paris .1961
[xviii]   Gaston Wiet . Introduction à la litterature arabe .38 .
[xix]   ولد عام 1929 في جنوب فرنسا، عمل عقب تخرجه في دمشق وبيروت بالمعهد الفرنسي للدراسات العربية. عين سنة 1961 مستشارا لفرنسا بمصر, تولى التدريس في الجامعات الفرنسية مثل جامعة فانسان، وجامعة السربون الجديدة ثم مدير معهد اللغات الهند والشرق وشمال إفريقيا وحضارتها في جامعة باريس الثالثة، وانتخب أستاذ كرسي الأدب العربي في الكوليج دي فرانس عام 1975، ثم عين مديرا للمكتبة الوطنية الفرنسية عام 1984, سخر ميكل جهوده العلمية الكثيرة للأدب العربي تأليفا وإشرافا على الطلاب العرب في الجامعات الفرنسية. ينظر: أحمد درويش. الاستشراق الفرنسي والدب العربي. الهيئة المصرية العامة للكتاب.1997. ص 16-17
[xx]   Andre Mique. La Litterature arabe . 9-10. que sais-je P.U.F- Paris. 2ed. 1984 
[xxi]    Ibid. 15
[xxii]    Ibid. 15
[xxiii]    Ibid. 62
[xxiv]    Ibid. 64
[xxv]    Ibid.70
[xxvi]    أحمد درويش . الاستشراق الفرنسي والأدب العربي، 41. الهيئة المصرية العامة للكتاب.1997.
[xxvii]   شارل بلاّ (1914 – 1992 م) هو مستشرق فرنسي،  مولود في الجزائر إبان الحقبة الاستعمارية، استقرت عائلته بالمغرب الأقصى سنة 1924، فبدأ بتعلم الأمازيغية، لكن سرعان ما تركها ليهتم باللغة العربية. عمل مدرسا بمراكش المغربية، ثم التحق بباريس وعين مدرسا في ليسيه لوي لوغران ، ثم أستاذا في مدرسة اللغات الشرقية ، ثم أستاذا في معهد الدراسات الإسلامية بباريس ثم مديرا للمعهد. تخصص في دراسة إنتاج الجاحظ ، فخسس له رسالتي دكتوراه ومجموع كتب، كما تناول الأدب العربي بالدراسة في مجموعة كتب أهمها: اللغة والأدب العربيان)1952 ، (مدخل إلى اللغة العربية الحديثة) 1974،  اللغة العربية الحية) 1984، وتاريخ اللغة والأدب العربي) 1997،
[xxviii]     Charles Pellat. Langue et litterature arabes .88 .edi, Armande Colin paris.1970
[xxix]    Ibid.18
[xxx]    Ibid. 18
[xxxi]   أسعد أبو خليل. سرقة أدبيّة لجبران خليل جبران؟ وفاءً لابن لنكك. جريدة الأخبار الإلكترونية، الرابط:    
[xxxii]    منذر معاليقي. الاستشراق في الميزان.66. المكتب الاسلامي. ط1. 1997.
[xxxiii]    محمود حمدي زقزوق. الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري. 69.

مراجع البحث:

-أحمد درويش. الاستشراق الفرنسي والأدب العربي. الهيئة المصرية العامة للكتاب.1997.
-إدوارد سعيد. الاستشراق. مؤسسة الأبحاث العربية- بيروت, ط5. 2001.
-رمضان حينوني. المستشرقون وبنية النص القرآني . دار اليازوري – عمان. ط1 2013
-ريجس بلاشير . تاريخ الأدب العربي، ج2. تر: إبراهبم الكيلاني. ديوان المطبوعات الجامعية- الجزائر.
-سيد قطب . التصوير الفني في القرآن. دار الشروق -بيروت - القاهرة . ط7 . 1982
-محمود حمدي زقزوق. الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري. دار المعارف- مصر.
-منذر معاليقي. الاستشراق في الميزان. المكتب الاسلامي. ط1. 1997.
-جريد الأخبار الإلكترونية: http://www.al-akhbar.com/node/192197

-Andre Mique. La Litterature arabe .que sais-je / P.U.F. 2ed. 1984
-Charles Pellat . Langue et litterature arabes.edi, Armande Colin paris.1970
-Dominique Sourdel . L'Islam . " Que sais - je " PUF  Paris . 13e edi . 1984     
-Gaston Wiet . Introduction à la litterature arabe. ed.G.P. Maisonneuve et Larose. 1966
-Jacques Berque . L’islam au temp du monde. Sindbad- Paris. 1984  
-Jacques Berque . Langages arabes du présent .gallimard.1973    
-Maxime Rodinson . Mahomet . Le seuil. Paris .1961      
 ملحوظة: هذا المقال منشور في مجلة 

الرواية الجزائرية المكتوبة باللغة الفرنسية عند روائيي الساورة (مسار وتنوع)

  أ.د. رمضان حينوني مخبر الموروث العلمي والثقافي بمنطقة تامنغست/ الجزائر ramdanne@gmail.com   أسهم الكتاب المنحدرون من منطقة الساورة مساهمة ...