أ.د رمضان حينوني
مخبر الموروث العلمي والثقافي لمنطقة تامنغست
مقدمة:
عًومل الهقار والتاسيلي منذ وطئت أقدام المستعمرين أرضهما على أنهما أسطورتان من أساطير العهود القديمة، أرضهما الشاسعة الغريبة بتضاريسها المتنوعة، طبيعة الشعب الملثم الغامض الذي يخفي خلف لثامه وشاشه عالما من الأفكار والعادات تغلف تاريخه العريق، جمعه بين سمات الأمازيغي والعربي والإفريقي في ثقافة خصبة العناصر والأشكال المادية وغير المادية؛ فكان لزاما أن يلفت الانتباه، ويتعرض للدراسة والاستكشاف، نتج عن ذلك عددا هائلا من المؤلفات باللغات الأوروبية المختلفة، في مختلف الميادين والموضوعات، جعلت من هذه المنطقة محط أنظار العالم الذي صنفها بوصفها واحدة من أهم الوجهات السياحية في العالم.
وباستثناء الدراسات المتخصصة التي كتبها الرحالة الأوروبيون في مجالات العلم كالطب والمناجم والجغرافيا، بدت أغلب الكتابات التي أنتجوها منضوية تحت أدب الرحلة؛ تلك التي اعتمدت بالأساس على زيارة المكان ومعايشة أهله ونقل يوميات المستكشفين في هذه البلاد التي تختلف جذريا عن بلادهم، فكانت النتيجة ثروة من المعلومات والبيانات والخرائط والصور والنصوص التي ظلت لقرون طويلة تتداولها الألسنة شفهيا، من دون أن تكون لها وثيقة مكتوبة بالرغم من معرقة طوارق الهقار والطاسيلي لواحدة من أقدم الأبجديات هي التيفيناغ.
فلا ننكر إذن فضل هؤلاء الرحالة في تدوين عدد من النصوص التي شكلت أدب التوارق كالشعر الذي انتشر بينهم بشكل واسع، إضافة إلى الأمثال والحكم التي تمكن لغوي مثل شارل دو فوكو من جمع عدد كبير منها، والحكايات الشعبية التي كان لا بد أن يكون لها حضور عند شعب بدوي قديم حيكت حوله وفيه كثير منها، ما يعطيه سمة الشعب الفاعل في أحداث التاريخ.
وإذا كان للرحالة الأوروبيين فضل في نقل هذه النصوص الأدبية التارقية القديمة وتدوينها، فلأنهم عايشوا التوارق في مضاربهم وخالطوهم وأقاموا صداقات معهم، لفترات زمنية طويلة، وهذا حال بوتييه الزوج والزوجة وآخرين انجذبوا إلى هذه الشعوب وتعرفوا إلى عاداتها وفكرها من خلال أساطيرها وقصصها وتفاصيل حياتها اليومية. إن الصبر الذي تحلى به هؤلاء المستكشفون في ملاحقة المعلومة والحادثة والحالة الاجتماعية والطبيعية وغيرها ليدعو إلى التأمل، وبخاصة وهم في بيئة غير التي اعتادوا عليها، بما تشتمل عليه من مخاطر وتحديات. فالكاتبة جالست التارقيات مجالسة مثمرة فاستمعت إليهن وحاورتهن عن طريق طرح أسئلة بغية الوصول إلى فهم صحيح لثقافة الغير.
و(القصص العجائبية التارقية) أحد هذه الكتب التي نقلت لنا بعض القصص الشعبية للرجال الزرق، وهو كتاب للكاتبة (جان ريني بوتييهJeanne René Pottier) زوجة المستكشف الفرنسي الكبير (ريني بوتييه)، وكاتب مقدمة كتابها هذا، الذي يحوي مئتين وثلاث وخمسين (253) صفحة من الحجم الصغير (12× 19)، يروي مجموعة من قصص التوارق الخارقة العجائبية، في إطار رحلتها في عمق الصحراء الجزائرية، وقد نشر الكتاب عام 1946 بمطبعة (Nouvelle Editions Latine)) بباريس.
ولقد اختارت الكاتبة مصطلح (Legende) في عرض هذه القصص التي سمعتها من أبطالها، وهي تعني "القصة ذات الطابع العجائبي، أين تتحور الأحداث بفعل الخيال الشعبي أو الاختلاق الشعري"[1]، فالقصص الشعبي البطولي يستند إلى بعض الحقائق التاريخية، لكن الذاكرة الشعبية تعيد بناءها بسد الفجوات عن طريق اختلاق أحداث من صنع الخيال، فهي إذن تحتوي على الحقيقي وغير الحقيقي.
أما المصطلح الشائع في الحديث عن هذا النوع من القصص فهو الأسطورة (Mythe) التي تعني " قصة تروي أحداثا تتعلق بكائنات خارقة، وأحداثا خيالية أو تخيلات جماعية" [2]، أي تلك القصص التي تحتوي على عناصر عجيبة لا تستند إلى حقائق تاريخية ولا أشخاص حقيقيين، بغرض تفسير الكون وظواهره الطبيعية وكذا جوهر الإنسان، وكثيرا ما يستعمل المصطلحان بمعنى واحد للشبه الموجود بينهما، وبخاصة ما تعلق بوفرة الخيال واعتماد العجائبي والخارق، وتدخل القوى الغيبية في صناعة الأحداث.
إن كاتبة أوروبية مثل بوتييه تعرف جيدا أنها وسط بيئة منتجة للأساطير والقصص الخارقة العجائبية، فالصحراء كثيرا ما ارتبطت بالأساطير عند الشعوب الإفريقية والعربية القديمة، بل وكانت دوما أفضل موطن لها، حيث السكون والتأمل والاستسلام للظواهر الطبيعية والغيبية في آن واحد.
غير أن هذا الكتاب لا يقدم لنا القصص العجائبية المروية في الطاسيلي خالصة، كما لا يقدم قصصا فنية بالمعايير النقدية الحديثة، لهذا سندرجها تحت عنوان (القصص الرحلي) الذي يتمتع بنوع من الحرية في العرض، وتقنيات خاصة سنحاول الكشف عن بعضها كما نلحظها في قصة (الغزالة ذات قرون الزمرد) وتكاد تنطبق على جميع النماذج الأخرى.
ملخص القصة:
تبدأ الكاتبة القصة برحلتها في ركب من اثنين وعشرين فرنسيا متجهين إلى (جانت) قادمين من ورقلة، مرورا ببرج الحيران (fort Lallmand[3])، ثم برج فلاتيرس (fort Flatters)،ثم وادي أمقيد، حيث تلتقي فيه بأول تارقي، وهو شاب يافع أنيق يدعى (ماينا) الذي سيكون دليلها ومؤنسها بجولة سحرية في الطبيعة الجميلة التي تتعمق في وصف جزئياتها، وخلال ذلك يقص عليها حكاية رحلته مع أسرته عبر التينيري إلى بلاد السودان، التي تضمنت قصة الغزالة الجنية على لسان الفتى (ماينا) هذا ملخصها :
[ ذات يوم اثناء رحلة (ماينا) مع أسرته إلى بلاد السودان، اصطادوا عددا كبيرا من الغزلان، وفي لحظة إطلاق النار على الأخيرة نبه ماينا والده إلى أنها أنثى حامل بصغارها حتى لا يقتلها فلم يطلق النار عليها، ومضى أفراد القافلة الخمسة عشر يحضرون لسفرهم الطويل المضني بملء القرب وتخزين اللحم الذي وفروه من الصيد.
قبل وصولهم التينيري، ذات ليلة رأي (ماينا) على الرمال نقطتا ضوء أخضر لامعتين، خرج من فراشه فإذا بصوت ينادي عليه أن يقترب منه بعيدا عن القافلة، عندها لبى النداء من دون إرادة منه. كانت الهالة المضيئة أشبه بالجن، وما هي إلا لحظة حتى هبت زوبعة أحاطت به وأخذته إلى مكان ما ثم انفتح المجال على غزالة جنية صغيرة وجميلة وكبيرة العينين ذات قرون من زمرد وأخذت تكلمه قائلة:" غدا عندما تصحون ستجدون قرب الماء فارغة باستثناء اثنتين، ستكون القربتان الماء الوحيد لرحلتكم الطويلة في التينيري، أما اللحم فالمتبقي من الغزلان التي قتلتموها سيتضاعف، ستجدون منها الكثير لكن الماء سيكون قليلا.. أما أنت يا ماينا فقد أنقذت حياتي عندما منعت أباك من قتلي، وبفضلك وضعت صغاري... عند استيقاظك صباح الغد لا تقل شيئا للأخرين عن حديثنا هذا، دعهم في قلقهم وحزنهم وواصلوا الطريق، مع العلم أن التينيري ستخلو تماما من الماء لأن الجن هم من يسخفون الماء والحيوانات عنكم."
بعد هذا الحديث ضربت الغزالة أحد قرونها على صخر فانفصلت عنه قطعة زمرد، وطلبت منه أن يلتقطها لأنها ستكون منقذته وقت الحاجة والخطر، وليكون دليلا على أن هذا كله ليس مجرد حلم عابر.
في الصباح، تساءل فيما إذا كان في حلم أو أن ما عاشه كان حقيقة، ثم تأكد من أنه ليس حلما عندما وجد القطعة من قرن الغزالة، ثم تأكد أكثر عندما اشتكى أبوه من فراغ القرب من الماء إلا من قربتين.
ومضت القافلة في رحلة الأيام العشرة، مع قلة الماء الذي لا يكاد يبلل الحناجر والشفاه، ومع شعور الجميع بخطر الموت من العطش، فكر ماينا في استخدام قطعة الزمرد التي حصل عليها من الغزالة الجنية، فابتعد عن المجموعة ورفع القطعة في اتجاه العرق، ليرى من بعيد شعاع ضوء أخضر قوي في شكل حلقة، ثم شيئا فشيئا بدأ يرى التفاصيل: في الدائرة الأولى حلقة من الحشرات المضيئة، تليها في الدائرة الثانية مجموعة من الضفادع كأنها تتلو نشيدا، وفي الثالثة صف من الجرابيع ، يليه صف من الثعالب الجالسة على مؤخراتها كأنها كناغر الصحراء، ثم صف من العقارب بإبرها الشرسة، وأخيرا صف من الأفاعي ذات القرون .
تساءل في نفسه عن سبب اختيار هذه الحيوانات المكروهة للإحاطة بالحلقة المضيئة، التي شعر بقوة تقوده إليها، حينها بدأت معالم الأشياء داخلها تتضح، فقد كانت مليئة بالجن يرقصون مترابطي الأيدي، ثم فجأة انقلبت الأجواء وتغير شكل الكائنات من حوله، فانتابه الرعب، قبل أن تتدخل الجنية وتطمئنه وتطلب دخوله وسط الحلقة بعد أن أمرت تلك الكائنات بالهدوء وعدم إيذائه لأنه صديقها الذي أنقذها.
بعد أن اصبح داخل الحلقة وفي غمرة الأضواء والألوان التي تحيطه شعر بشيء يلامس أصابعه، طلبت منه الجنية سحبه إليه فإذا هو حلقة من حجر أسود، سحبها إليه فإذا هي تكشف عن مغارة يسمع منها صوت خرير ماء يجري كالساقية، تقوم عليه مجموعة من الجن لهم أجسام شفافة وعين واحدة في وسط الوجه.
طلبت منه الجنية أن يحضر قرب الماء الفارغة لملئها، وسخرت له حمارا لهذه الغاية، وبمساعدة الجن ملأ القرب التي وجدها تضاعفت أكثر مما كانت عليه، وعندها أبدت له الغزالة الجنية امتنانها، واختفت عن أنظاره تدريجيا .. لقد كافأته بإنقاذ حياته وحياة أعضاء القافلة. ردا للجميل، وغادر هو المكان مغلفا بسحابة عطرة حاملا القرب إلى القافلة التي كانت ما تزال في نوم عميق.
في الصباح لم يتفاجأ الأب بوجود الماء في القرب بعد أن كان متأكدا من فراغها منه، فقد رأى في منامه وليه الصالح فلا شك أن هذا كان من بركته.][4]
وإذا كانت القصة العجائبية قد انتهت هنا، فإن القصة تتواصل بعودة ماينا والكاتبة إلى برج أمقيد، وفي طريقهما يريها الفتى الرسوم الصخرية التي تحمل صور الحيوانات التي كانت تعيش يوما في هذه الصحاري، عندما كانت غابات وأنهارا، ثم يقع نظرها على نبات ذي أوراق سميكة وعريضة متراصة، فتسأل عنها فتعلم منه أنه كمين، لتتذكر للتو مقتل عدد مهم من جيش فلاطيرس في هذا المكان قبل أعوام.
عند عودتهما كان الصيادون قد رجعوا مساء وبحوزتهم أربعة من الغزلان، ما جعل الكاتبة تختم قصتها بقول ماينا: "بالأمس قتلوا كثيرا من الغزلان.. والجن سوف ينتقمون" !
خصائص القص في كتاب القصص العجائبية التارقية:
أ-خاصية التضمين:
قصة الغزالة الجنية هذه يرويها شاب تارقي تلتقي به في برج أمقيد، وهو ما يعطى هذه القصة العجائبية أصالتها، إضافة إلى كون الفتى هو بطلها في إحدى رحلاته إلى بلاد السودان وهو صغير، لهذا تدخل الكاتبة في حوار مع الفتى مستفسرة تارة، وتارة طالبة توضيحا أو معلومة، فينقطع بذلك انسياب القصة بين الفينة والأخرى.
ومنهج الكاتبة في تشكيل نصوصها تمثل في عدم عرض القصة العجائبية بشكل مباشر كنص، بل تضمنه قصتها هي في رحلتها إلى جانت، وعليه فنحن أمام صوتين أو قولين في نص واحد؛ أحدهما القصة العجائبية المروية على لسان التارقي أو التارقية، والثاني هو حكاية الكاتبة ليومياتها بين التوارق، وكلا الصوتين لا ينساب جسما حكائيا واحدا بل يتداخلان عن طريق المحاورة بشكل يجعل الأول جزءا من الثاني، ما يضفي على العمل طابعا خاصا يجمع الحكاية والأسئلة والتفسير وعرض التواريخ والأحداث في جسم أدبي واحد، بشكل يفقد القصة العجائبية استقلاليتها ولكنه يعطيها حياة جديدة في إطار القصة الكلية، التي تقدم لنا خاصة في مطالعها مجموعة من الأحداث التاريخية، وتصور الكثير من العادات والتقاليد المتعلقة بالمجتمع التارقي التي اعتاد الرحالة المستكشفون تضمينها كتبهم وتقاريرهم العسكرية، يغلف كل ذلك قدرة كبيرة على تصوير الشخصيات والأمكنة والبيئة الجديدة اللافتة لانتباه غريب في أرض صحراوية عجيبة.
تستدرج الكاتبة الالقصة العجائبية- إذن- بشكل ذكي؛ فهي لا تجعلنا أمامها مباشرة، ولا ترويها من ذاكرتها بل كما سمعتها من رجال أو نساء جانت، أو وجدتها عندهن مكتوبة فقرأتها كما حدث مع(تاتريت) التي قدمت لها القصة عجائبية في مخطوط قديم، وطلبت منها قراءتها، إنها تمضي في قصتها هي، ثم تجعل الشخصيات التي تلتقي بها تكشف عن مخزون الذاكرة الشعبية التارقية، وهذا المنهج السردي يوفر على الكاتبة مسؤولية محتوى القصة القديمة من جهة، ويعطيها طابعا تشويقيا من جهة أخرى، مستعينة في ذلك بخاصيتى الخيال والعجائبية بشكل يعكس النظرة التي يخزنها الأوروبي عن الشعوب القديمة.
والعناصر الأسطورية التي تعج بها حكايا الكتاب كثيرة، وهي في مجموعها لا تختلف عن تلك التي نجدها عند غير التوارق مثل بطولة الأمير ومغامراته، والتركيز على المعادن الثمينة وقيمتها في تغيير الأحداث، وحضور الظواهر الغريبة كالسحر والعين والجن إضافة إلى قصص العشق والغرام التي تتربع على عرش القصص الشعبية غالبا، وغيرها مما نجده في قصص ألف ليلة وليلة وقصص السندباد، وكل أدب تتدخل في أحداثه العوامل الخفية والغيبية العجيبة. هذا الذي تكشف عنه عناوين القصص التي تضمنها الكتاب، من قبيل (الغزالة ذات قرون الزمرد؛ والأمير ذو العمامة الفضية؛ وكهف اللؤلؤ؛ الصندوق المطلي بالذهب؛ مملكة الصخور المنصهرة؛ الخاتم الملعون؛ الخبز الذهبي؛ ترنيمة الليل؛ العملاق ذو الشعر الذهبي؛ الحمامة الطينية؛ الأمير زارع الورد؛ وراعي النجوم).
ب-خاصية الوصف:
يكشف النص القصصي عند (جان بوتييه) عن قدرة كبيرة على الوصف، وصف الشخصيات والأفضية حقيقية أو خيالية، ووصف الطبيعة التي تدور فيها الأحداث.. لعل ذلك يعود أساسا إلى غرابة المكان بالنسبة للقارئ الافتراضي(الأوروبي) الذي اعتاد على بيئة أخرى مغايرة، فينتبه إلى كثير من التفاصيل التي يتوقع أنها تستوقفه وتذهله.
والوصف أحد أعمدة السرد الأساسية، إذ يساعد في صناعة الحدث وبيان تفاصيله، كما يعمل على إثراء العمل بكثير من المعارف التي تفتح للقارئ آفاق معرفة الأشياء التي قد تغيب عنه، أو التي ترتبط ببيئة مختلفة عن محيطه الطبيعي والثقافي.
1-وصف الشخصيات:
لكون الكاتبة من بيئة أوروبية، فقد حرصت في قصصها على تكثيف الوصف بشكل يؤكد نظرتها الغرائبية لمجتمع مختلف، فالشخصيات التي تعرضها تقرب أوصافها بشكل يثبت تميزها واختلافها، سواء من حيث الشكل الخارجي، وهو الأكثر حضورا، أم من حيث الأحاسيس والعواطف التي تصور جانبا من الحياة العقلية لمجتمع التوارق.
في قصة (الغزالة ذات قرون الزمرد) مثلا نقرأ : " هذا الفتى (ماينا) كان رائعا، جسمه مثير للإعجاب، ولونه يميل إلى الفضي الفاتح.. عيناه جميلتان، بجفون تزينها رموش طويلة يحيطها الكحل."[5]هذا الوصف يتكرر كثيرا عندما يتعلق الأمر بتقريب صورة التارقي من المخيلة الأوروبية، ففي قصة (الصندوق المرصع بالذهب) نجد وصف امرأة تدعى (تاتريت) بالآتي:" امرأة جميلة جدا، بل توصف في هذا البلد بأنها أكثر التارقيات جمالا، إنها متميزة ونبيلة.. تحت غطاء رأسها يبدو شعرها الأسود مفروقا إلى قسمين ناحية الجبهة، وضفيرتان تنزلان على أذنيها.. لها عينان ممتدتان مع جفون زرقاء مكحولة، تزينهما رموش حريرية، وأنف دقيق معقوف قليلا، شفتاها السميكتان تنفتحان عن أسنان جميلة جدا."[6]
هذا الجمال الذي لحظته في الشخصيتين السابقتين، يتبقى جزء منه في وصف العجوز(حَجرة) في قصة (الأمير ذو العمامة الفضية)؛ إذ على الرغم من بلوغها مئة عام تبدو في الخمسين من العمر نحيلة، لكن وجهها الذهبي بدا كأنه مدبوغ بفعل الشمس، مليء بتجاعيد السنين، وبرغم ذلك "فهي نشطة تؤدي حركات طريفة في المواقف المذهلة أو المفاجئة، وتتقلد قلادة لؤلؤ أحمر، وآخر من جلد يتعلق بهما عدد من التمائم، لأن لها اعتقاد قوي بالجن"[7].
أما الجانب الوجداني فالصورة التي نجدها لهذه الشخصيات إيجابية تدعو إلى الإعجاب، فالشاب ماينا يقودها في جولة بمفردهما، يحدثها ويسائلها ويعرفها بعالمه وبيئته، فتشعر معه بالأمان على الرغم من ابتعادهما عن البرج، في بيئة يفترض أنها لا تعرفها، و(تاتريت) المرأة النبيلة تعبر عن حبها لها، وتفتح قلبها بل وخزائن كنزها أيضا أمامها في ضيافة صحراوية، أما العجوز حجرة فلا تختلف عن الشخصيتين السابقتين محبة ورغبة في مرافقتها ومصاحبتها.
والقصص عموما تزخر بعبارات الإعجاب، وكأنما هي حلم أو في عالم أسطوري في ذاته، ولا نستطيع حصر الأوصاف المعبرة عن جمال المكان والبشر والطبيعة من قبيل ( جميل – رائع- مدهش- أخاذ- خرافي ) وغير ذلك، ما يعطي الانطباع بفرادة المكان وأهله وبيئته.
2-وصف البيئة التارقية:
حظيت البيئة الطبيعية التارقية بالتاسيلي آزجر بوصف أدبي يقربها من القارئ الأوروبي، بجبالها ورمالها وطقسها المتقلب، فالصخور السوداء، والرمال الذهبية الممتدة، وبيوت الأهالي البسيطة وغيرها كلها مناظر تعكس الاختلاف والتنوع، في هدوئها وجمالها تارة، وفي غضبها وتقلبها تارة أخرى.
في قصة الغزالة نجد وصفا لمدخل برج أمقيد تقول عنه " يا له من مكان ساحر، لم يسبق لي أن رأيت منظرا جميلا كهذا، غريب وشاسع.. إنه جميل وأخّاذ .. الجبال في أشكال غريبة كأنها منحوتة في شكل وحوش أو تماثيل!"[8] وفي قصة (الأمير صاحب العمامة الفضية) نقرأ وصفها للمكان" كل هذا الرمل الحجري المشتت والمسنن يوهمنا بأنه منحوتات من العصور الوسطى، تارة في شكل محاربين، وتارة في شكل حيوانات واقفة أو جالسة؛ وفي أسفل القمة وادي (أجريو) وبعده الواحة الجميلة، وأسفل النخيل توجد الحدائق ومساكن الأهالي..."[9] هذا الإعجاب نلمسه في كل وصف للمواقع التي تحل بها، وكأن العجائبية لا تخص الأساطير فقط بل أيضا الوسط الذي تدور فيه.
كما تزخر قصص(بوتتيه) بكثير من العناصر الثقافية التي تميز الطاسيلي، سواء على مستوى اللباس التقليدي الذي تدقق في تفاصيله أشكالا وألوانا، أم المعادن الثمينة المستخدمة للزينة وصناعها الحرفيين البرعين الذين تربطهم عادة بالجن، بل هم شياطين الحديد والنار، فحضور الفضة والذهب والزمرد وغيرها لافت للانتباه بوصفها الثروة التي تميز الطبقة الاجتماعية، أضافة إلى العطور التي تتفاخر بها النساء.
وعموما، يتميز القصص الرحلي عند بوتييه بتتبع دقيق للعناصر الطبيعية والثقافية عند توارق التاسيلي، وإضافة إلى ما تلتقطه العين من مشاهد، تتدخل مشاعر الإعجاب لتضيف إلى تلك المشاهد مزيدا من الأوصاف التي ميزت الإنسان التارقي في المخيلة الأوروبية بوصفه إنسانا مختلفا لكنه لطيف يتعايش مع الغريب، ويفتح خزائن ثقافته له.
ج-خاصية التشويق:
توفر القصة نوعا من التشويق الواضح، من خلال التسلسل اللطيف للأحداث، والانتقال المنطقي (بمهوم السرد) بين حدث وآخر، والربط الجميل بين القصة الشعبية التي ترويها الشخصيات التارقية، والقصة الكبرى التي ترويها الكاتية، فالقصص الرحلية جميعها تمر بثلاث مراحل رئيسية هي :
- تمهيد يؤدي إلى تعرف الكاتبة إلى الشخصية أو الشخصيات الساردة للأسطورة.
- دفع السارد إلى عرض القصة العجائبية، سواء من ذاكرته كما حدث مع ماينا، أو مكتوبة كما حدث مع تاتريت حين جعلت الكاتبة تقرأ القصة بنفسها من مخطوط قديم.
- انتهاء السارد واختتام الكاتبة قصتها بتعليق أو نحوه .
فالتمهيد والخاتمة في قصص بوتييه ملك أفكارها، لكن الأسطورة ملك لراويها، وقد أبدع هذا الراوي في نسجها بحيث تنمو حوادثها تدريجا بشكل يشد القارئ ويشوقه إلى النهاية، بعد غوص في عالم من الخيال تصنعه القوى الغيبية التي وحدها تستطيع إبهار المتلقي بالخوارق، كما كان يحدث للإنسان القديم حين لم يكن الإنسان قادرا على التفسير العلمي للظواهر، فيسندها إلى قوى أكبر منه، غير أن الإنسان المعاصر يقرأ ويتأثر بالقصة العجائبية أيضا على طريقته الخاصة.
ويتعزز التشويق أيضا من خلال توقف ماينا من حين لآخر عن سرد قصة الجنية، ما يدفع الكاتبة إلى طلب الاستمرار في القص؛ بل تذهب إلى أن تعرض عليه هدية في حال واصل القص:" إذا واصلت القصة يا ماينا سأهديك هذه المرآة وهذا الحجر الأخضر العطر وأشياء أخرى."[10] فالأحداث الخيالية بطبيعتها مشوقة، لأنها تدفع المخيلة المستمعة إلى المشاركة في رسم الأحداث وتوقع النهاية بوجه خاص، عندما تبلغ القصة ذروة الإثارة، وهي وقوع إفراد القافلة في مأزق الماء وهم في عمق صحراء تينيري المرعبة، في جو حار خانق.
إضافة إلى المغزى النبيل الذي ترمي إليه؛ فهي قصة تعليمية – إن شئنا- لأنها ترسي دعائم فعل الخير ورد الجميل بصرف النظر عن الطريقة التي تنقل به هذا المغزى، وبخاصة عندما تضمن الكتاب الكثير من الألفاظ العربية الفصيحة أو الدارجة على لسان الشخصيات، مثل: (ما شاء الله كان، ومكتوب وقربة و جنية والشيخ ولالة بمعنى سيدتي... وغيرها كثير)، ما يعزز مظاهر الدين الإسلامي مثل ذكر النبي محمد، وتقدير أولياء الله الصالحين، ومظاهر الدين الأخرى كالصلاة وغيرها، التي تدعو إلى مكارم الأخلاق، ويؤكد ذلك كله تأثر التوارق بهذه اللغة التي تعايشوا مع أهلها، لكونها لغة الدين الإسلامي الذي يتمسكون به.
خلاصة:
قصص التوارق العجائبية كتاب يجمع الماضي بالحاضر، الخيالي بالعملي في أسلوب شائق، ولغة فرنسية بسيطة لكنها خصبة بأشكال التصوير، وجمال القص، وحسبنا من كل ذلك حصولنا على نصوص ربما ما كان لها وجود لولا أدب الرحلة عند الرحالة الغربيين، الذين وجدوا أدبا شفويا في أغلبه فوثقوه وأنقذوه من براثن النسيان، مهما تكن نياتهم أو أهدافهم من ذلك، إذ إن إيجابية العمل أو سلبيته مرتبطتان بالنتائج، ونتائج أدب الرحلة عند هؤلاء الغربيين كانت نصوصا تراثية كثيرة تشكل في مجموعها الأدب التارقي القديم في انتظار أدب تارقي حديث ومعاصر.
ملحق: ترجمة مقدمة الكتاب[11]:
يًفتَتَح الكتاب بمقدمة كتبها زوج الكاتبة الذي رافقته في هذه الرحلة الطويلة(ريني بوتييه)، وهي مقدمة بمثابة قراءة أولى في هذا الكتاب الذي يبحر في عالم الخيال والأساطير التي تعد إحدى عناصر مجتمع التوارق كغيره من المجتمعات الصحراوية القديمة. وقد رأينا أن نقدم أولا ترجمة لتلك المقدمة هذا نصها:
[هناك أساطير نائمة ومغيبة، أولا لأن كل مقدمات العالم لم تضف إليها شيئا مهما، وثانيا: لأنها صارت من دون جدوى لأن القارئ المحمول على أجنحة الحلم لم يكن في حاجة إلى دليل. من جهة أخرى فإن روابط المودة الضيقة التي تربطني بالكاتبة ترفع عني كل سلطة، ويمكن اتهامي بأنني حكم وطرف في آن.
وليس في نيتي أن أسبغ على (جان ريني بوتييه) عبارات المدح، أريد فقط القول إنها وحدها تستطيع أن تكتب بكفاءة عن طوارق آزجر لأنها المرأة الوحيدة التي عاشت بينهم، ولا يتعلق الأمر بمرور عابر سريع بالشكل الذي نجده عند سائح مستعجل همه الوحيد التقاط صور فتوغرافية. لقد عاشت ستة أشهر في (جانت)، بحدود صحرائنا[12] والسودان وليبيا، بعد أن هيأت لذلك بإقامات طويلة في واحات الشمال العديدة. لقد كانت معي في كل رحلاتي، ومرافقة متخصصة لأبحاثي الإثنوغرافية والفنية والأدبية، بدخولها إلى المجالس النسائية الضيقة بفعل عقيدة الإسلام، وأنا مدين لها بكثير من الوثائق التي استعملتها في أعمالي، كما أن العروض التي احتضنتها متاحف (تروكاديو) وفرنسا ما وراء البحر مدينة لها بعدد من الأشياء المهمة.
لقد استمعت كاتبة هذه الأساطير إلى نساء البلاد الصحراوية اللاتي التقت بهن صدفة في رحلاتي وحاورتهن. هل يمكن القول إن الكتاب الذي تقدمه ذو سمات علمية مقارنة بالأبحاث اللغوية التي أنجزها الأب شارل دو فوكو في منطقة مجاورة عند طوارق الهقار؟
إن قصص التوارق المروية بلغتهم، وفي المجال الذي عاشوا فيه، مثيرة، وترجمتها وقراءتها في صالون باريسي سيبدو مملا بتكرارهم وأرقامهم ومقارناتهم التي لا تستحضر سيئا للقارئ الشمالي
جان ريني بوتييه رسمت داخل الفلكلور التارقي العناصر التي جمعتها من خلال حسها الشعري ومصادر خيالها المتعددة، لكن وخارج عمق هذه التربة في كل مرة تحاول وصف موقع أو تقديم تفاصيل عادة، ويمكننا تتبع ما تقول بكل ثقة لأنها رأته أو لاحظته، وإذا حدث أن جعلت الحيوانات تتكلم بملحوظات دفترها فلأنها تنهج في ذلك طريقة التوارق الذين يقدمون أنفسهم أخوالا لضب كبير !
هل لها الحق في أن تتصرف بهذا الشكل؟ إن هدفها هو تشتيت الانتباه وليس الإرشاد، بالرغم من ذلك فقد جدت وسيلة للإرشاد عن طريق التسلية وبفضل دقة ملحوظاتها ، وأغلب قرائها عندما يغلقون هذا الكتيب لن يجدوا أنفسهم قد تعمقوا في روح التوارق، إلا بعد الاطلاع على أعمال كبيرة مضجرة، مع أن جان ريني بوتييه لها سلطة (دوفيرييه) مستكشفنا الكبير الذي يعد الأول من زار المناطق التي يعيش بها طوارق آزجر وهو في سن العشرين، وعبارة الرحالة الشهير[13] التي وضعتها كمحرك لهذه الأساطير أعطتها الحق لفتح أقفال خيالها، واستعملت هذا الحق ولم تعبث به أبدا.
والآن .. لينسَ القارئ ما قلته وليسارع إلى طي الصفحة، ولم يبق لي غير أن أتمنى له الاستمتاع الذي أجده أنا عندما أفتح الصندوق المرصع بالذهب.]
[1] https://www.larousse.fr/dictionnaires/francais/légende/46567
[2] https://www.larousse.fr/dictionnaires/francais/mythe/53630
[4]Jeanne pottier. Legendes Touareg. Nouvelle editions Latines- Paris. 1946. Pp 15-34
[5] Ibid.16
[6] Ibid.92
[7] ibid. 36
[8] Ibid. 18
[9] Ibid. 35
[10] ibid. 28
[13].العبارة المقصودة التي قالها دوفيرييه في كتابه " طوارق الشمال" تقول ( مهما أنتجنا من أفكار خرافية، يتعدى التوارق كل ما يمكن للمخيلة الخصبة أن تبدعه).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق