د. رمضان حينوني
مخبر الموروث العلمي والثقافي لمنطقة تامنغست
جامعة تامنغست/ الجزائر
أسهمت الكتابات الفرنسية، التي حوتها كتب ومنشورات لا عد لها، في كتابة جزء من تاريخ كثير من مناطق الجزائر، كل منطقة لها ارتباط بأحداث معينة عسكرية أو ثورية أو تجارية أو ثقافية أو غير ذلك، ولم يكن أقصى الجنوب الجزائري استثناء، على الرغم تأخر الفرنسيين في الدخول إليه مقارنة بمدن الشمال.
ومهما تكن قراءتنا لهذا التاريخ المكتوب بأقلام غير جزائرية، فلا بد من الإقرار بأنه الأرضية التي ينطلق منها الدارس في معرفة أهم الأحداث التي مرت بها الجزائر قبل استقلالها؛ ذلك أن أغلب كتاب ذلك التاريخ عاشوا في فترة غلبة الاحتلال وقوته حتى ظنت فرنسا أن الجزائر أرض فرنسية، لهذا حرص القادة العسكريون والرحالة والمغامرون والمؤرخون والجغرافيون وغيرهم على نقل ما يرونه ويعايشونه بصدق انطلاقا من عقائدهم ورؤاهم، فكانت كتاباتهم إضافة إلى بعض ما وثقه الرحالة المسلمون القدامى مادة لكتابة تاريخ الجزائر القديم والحديث.
ولقد آثرنا في هذه الورقة الحديث عن واحدة من المناطق التي ورد ذكرها في عديد المصادر الفرنسية والأجنبية، تلك هي أقبلي الواحة التي لفتت انتباه الأوروبيين بوصفها النقطة الفاصلة بين توات وتيدكلت وبين الهقار وتمبكتو في شمال مالي الحالية، هذا الموقع الذي سيخول لها تأدية دور حضاري مهم تمثل في التبادل التجاري والثقافي بين المنطقتين؛ ذلك أن قيمة المكان ليس في موقعه فقط، بل أيضا بجملة الأحداث البارزة التي شهدها، والإضافات التي قدمها للإنسان في مجالات معينة.
1- أشكال الكتابات الفرنسية حول الجزائر:
تعددت الكتابات الفرنسية حول الجزائر وتنوعت بشكل لافت للانتباه لأسباب كثيرة، لعل أبرزها الفترة الطويلة التي استغرقها الاحتلال، الممتدة على قرن وربع القرن، والمساحة الشاسعة لهذا البلد الواقع جنوب المتوسط، القريب جغرافيا من فرنسا، والتنوع الثقافي والبيئي الذي تحظى به الجزائر، إضافة إلى ذلك تشجيع الإدارة الفرنسية الفرنسيين على الكتابات المختلفة في مجالات التاريخ والاجتماع والجغرافيا والثقافة بمفهومها الواسع، التي تساعدها في إنجاح مشروعها الاستيطاني؛ كل ذلك تلخصه الأطماع الفرنسية في امتلاك الأرض ومن عليها تحت شعار الجزائر فرنسية، ذلك الشعار الذي كان عنوانا لاحتفالية مرور مئة سنة على الوجود الفرنسي.
لا يمكن البتة الإحاطة بجميع تلك الكتابات ومحتوياتها، لكننا نستطيع الإشارة إلى أهم محاورها في ما يأتي:
- التقارير العسكرية: (rapports militaires)
اعتمد الاحتلال الفرنسي منذ بدايته أوائل القرن التاسع عشر على تشجيع التقارير العسكرية التي ينجزها القادة الموجهون إلى إدارة المناطق المحتلة، فكلما استقر بأحدهم الحال بمنطقة ما، يقوم بإعداد تقارير مفصلة للسلطات العليا عن واقع الحال عسكريا واجتماعيا واقتصاديا وبيئيا، بدقة وتفصيل. ولعل اختلاف المحيط المحتل عن أوروبا جذريا كان العامل الأكبر في دفعهم إلى التفنن في إعداد تلك التقارير، وكأنهم في عالم مختلف.
هذه التقارير العسكرية هي التي كتبت جزءا من تاريخ الاحتلال الفرنسي للجزائر، فهي تسمح للمحتل بإعداد خططه وبناء استراتيجياته الحربية لهزيمة العدو من جهة، وتاريخية من جهة أخرى لأنها مجموعة من الأحداث الواقعية والمحددة زمنيا بتواريخ وتحليلات وتفصيلات يرويها القادة الذين يخوضون تلك المعارك والحروب ويشهدون على انتصاراتهم وهزائمهم على حد سواء.
من الكتب التي تمثل هذا النوع من الكتابات، المرتبطة ببحثنا، كتاب (عين صالح وتيديكلت In-salah et le Tidikelt) لـ(لكولونيل دو Colonel D’EU)، الذي أشرفت عليه المكتبة العسكرية بباريس عام 1903، وكتاب (تيدكلت Le Tidikelt) للضابط الفرنسي (لوي فوانو Louis VOINOT)، الذي تدرج في الرتب العسكرية حتى وصل رتبة عقيد، وقد كان قائدا لحامية مهمة شملت تيدكلت بأجزائها، ظهر الكتاب عام 1909، فصل فيه الحديث عن منطقة تيدكلت تاريخا وجغرافيا ومجتمعا مدعوما بالصور والخرائط والجداول، وهو مثل سابقه في التفصيل والأهمية.
- الرحلات الاستكشافية: (voyages d’exploitation)
هذا النوع من الكتابات يقوم به عادة أولئك المغامرون الذين يرومون استكشاف الأماكن الغريبة، البعيدة عن مواطنهم الأصلية، والمتميزة عنها ماديا ومعنويا، وهي كتابات تشبه التقارير العسكرية في جانب وتختلف عنها في جانب آخر؛ أما التشابه فهو في دقة المعلومات، وتتبع تفاصيلها، ووصف الأحداث التي تحصل في الواقع، وتقييد تواريخها وأمكنتها، وأما الاختلاف ففي الهدف الذي يقود الأوروبي إلى وصف رحلته، والطابع الودي الذي يصاحب العلاقة بين الرحالة والشعوب الموصوفة عادة.
وتذكر المصادر أن الإنجليز كانوا سباقين إلى وضع " أولى البرامج للبحث عن كيفية ربط شعوب شمال إفريقيا بالعمق الإفريقي، وقامت به الجمعية من أجل تنمية الاكتشافات في إفريقيا"[1]، كان ذلك في القرن الثامن عشر، ثم تلتها المؤسسة الجغرافية في باريس التي كانت تشجع الفرنسيين والأجانب على الوصول إلى عمق إفريقيا، ففي" عام 1824 نشرت برنامجا لجائزة تشجيعية موجهة لأول فرنسي أو أجنبي يصل تمبوكتو عن طريق غرب إفريقيا"[2]، وكانت هذه الرحلات تحمل رؤى الرحالة، وتنشر تحت مسمى المغامرة، على أنها اكتشافات لهذه العوالم الجديدة والغامضة.[3]
ويمثل هذا النوع كتب عديدة منها كتاب (رجال جبال الصحراء Homme desontagnes du Sahara) لـ (أوديت برنزات Odette Bernezat)، وكتاب (رحلات واستكشاف الصحراء Voyages et explorations du Sahara) لـ (غيرهارد رولفس Gerhard Rholfs)، إضافة كتاب (رحلة شرقية)، و(في مدن الرمال) للفرنسية (إيزابيل إبرهارد (Isabelle Iberhardt ، وكتاب (المهاري Méharées) للمغامر الفرنسي )تيودور مونو Théodore Monod).
- الكتابات الدينية التبشيرية(Écrits religieux et missionnaires )
وهي الكتابات التي صرح فيها المبشرون ورجال الدين من الأوروبيين برغبتهم في تنصير الشعوب الأخرى وتغيير عقائدهم، أو بأقل تقدير مزاحمة عقائدهم، وخير من يمثل هذا الاتجاه (شارل دو فوكوCharles de Foucauld ) الراهب الذي سخر حياته لنشر عقيدة يسوع في المغرب والجزائر، وكلفه ذلك حياته في بداية القرن العشرين.
لقد وصل بدي فوكو الحماس حد تعلم اللغة التارقية والكتابة بالتيفيناغ، ووضع قاموس فرنسي تارقي، بغرض التقرب من أمازيغ الهقار ودعوتهم إلى عقيدته بعد أن منى بفشل ذريع في تحقيقها ببني عباس جنوب الساورة.
وعلى الرغم من أن دو فوكو لم يكتب رحلته الطويلة من تافيلالت إلى الهقار بشكل مباشر، إلا أن رسائله الكثيرة إلى الضباط الفرنسيين الذين كان يتحرك تحت حمايتهم، وإلى معارفه من الفرنسيين، رسمت لنا الملامح الأساسية لهذه الرحلة.
- الكتابات الأدبية (Ecris Littéraires)
لم تكن الكتابات الأدبية للفرنسيين في الجزائر اقل شأنا من سابقاتها، فلقد وجدوا في التراث الجزائري من النصوص الأدبية ما أبهرهم شفويا كان أم مكتوبا، فعملوا على نقلها وترجمتها والتعليق عليها، وذهب كثير منهم إلى تعلم العربية أو المازيغية لتسهيل التواصل مع هذا التراث الغني.
غير أن الأدب الشعبي كان أوفر حظا في اهتماماتهم؛ إذ نقلوا الحكايات والأساطير والأمثال والحكم الشعبية الجزائرية، إضافة إلى الألعاب والنشاطات الفكرية التي انتشرت في البلاد، ومن أمثلة الذين تركوا أثارا في هذا المجال (أنجل مرفال برثوان Angel Maraval Berthoin) التي شملت رحلاتها بسكرة شرفا، وتلمسان ومغنية غربا، وكانت أول امرأة تسافر جوا إلى الهقار وتلتقي بداسين، وتنقل كثيرا من الأدب المتداول في هذه المناطق، مثل:(أغاني وقصص وأساطير الهقار)، و(أسطورة لالة مغنية)، وغيرهما.
2- تاريخ منطقة أقبلي:
بالاستناد إلى المصادر الفرنسية الكثيرة، فإن أقبلي يعود تاريخها إلى القرن الثالث عشر الميلادي، ففي كتاب (لوي فوانو)[4] بعنوان (تيدكلت) نقرأ:" كان قصر منصور قد تأسس عام 1230 على يد قبيلة تارقية مجهولة. لقد كان بالواحة بئر تسمى (حاسي دبدر)، وفي الأصل كانت أقبلي تسمى (دبدر)على اسم البئر، وهذه التسمية لا يزال يستعملها أناس في أولف، أما هذه البئر فلم تعد الآن موجودة، ويفترض أن مكانها كان داخل قصبة منصور المندثرة"[5].
وفي موضع آخر يشير إلى أن التوارق الذين سكنوا أقبلي هم من نبلاء أوراغن من أزجر قدموا المنطقة بعد صعوبات وجدوها في مواطنهم، كما استوطن بعض التوارق المنصور وعرق شاش قدموا من إمارة أدرار.[6]
ويسرد فوانو تاريخ إنشاء قصور أقبلي الأخرى وساكنتها، وهي إضافة إلى قصر منصور:
- قصر (عترام أو عترم Atram) تأسس عام 1235، لم يبق سوى أطلاله أسفل نخيل اركشاش.
- قصر ساهل SAHEL) تأسس عام 1255 على يد أولاد إمسيران، وعندما التحق بهم أولاد اسماعيل اقتسموا المكان وسكنوا شمال ساهل وسُمي تاكوزة.
- قصر عرق شاش أو أركشاش يعود إلى 1273 على يد قبيلة أولاد ما يخاف التي تعود أصولها إلى تافيلالت.
- قصر نعامة أو بونعامة تأسس باسم أقبلي عام 1303 على يد أولاد مريم القادمين من رقان وبعض أولاد عزي.[7]
ولقد فصَّل فوانو كثيرا في التركيبة السكانية المتعاقبة على أقبلي، منها الفيلاليون والكونتيون والفولانيون بدءا من القرن الثامن عشر الميلادي، فيذكر أن فرعا من الكنتيين القادمين من ساحل السودان على رأسهم سيدي محمد بن عبد الرحمن حفيد الشيخ بونعامة أسسوا الزاوية عام 1749، ثم اقتسموها مع قبائل فيلالة. أما الفولانيون فقد أسسوا قصر ساهل الحالي عام 1779 الذين قدموا إلى أقبلي بنية الانضمام إلى قوافل الحج، وعندما لم يتحقق لهم ذلك استقروا بعرق شاش.[8]
ويصف الكولونيل (إدوارد دي نوفو E. de NEVEU) أقبلي في إحدى رسائله إلى قادته قائلا:" تمثل اقبلي تجمعا لقرى في أقصى جنوب توات، وهذا الاسم يعني الاتجاه نحو الجنوب(القبلي El Guebli)، هذه القرية التي تعد الأخيرة في اتجاه تمبكتو كانت تحمل اسم (بونعامة)." [9]
أما (تيودور مونو Theodor MONOD) فقد مثلث له أقلبي هاجسا كبيرا في رحلته الشهيرة التي قطع فيها صحراء تنزروفت، ذلك أن عطشه وعطش الإبل التي سار عليها جعلته يعاني للوصول إلى بئر الذهب، وهي نقطة ماء بالقرب من عرق شاش، فمع اشتداد الزوابع الرملية الهائلة، يصف (مونو) وصوله عرق شاش بقوله:" في البداية كان الأمر سهلا وممرات العرق تتوالى واضحة، لكن بعد ذلك علقنا في بحر من الكثبان المتشابكة والمتقطعة، مع مزيد من النتوءات الصخرية، لقد كنا نسبح في وسط الرمال.[10] فيكون (مونو) بذلك عابر سبيل، لم يقف على أي مظهر لقصر عرق شاش غير الرمال التي أبهرته وأعاقت مسار رحلته.
ويكتفي دي نوفو أيضا بحديد موقع أقبلي قائلا:" إنها جنوب تيديكلت على أبواب فراغ تانزروفت الكبير"[11]، من غير أن يفصل في الموقع وبما فيه.
إن ما يوقفنا في هذه الأقوال أن الاسم (أقبلي) مستحدث مقارنة بأسماء سابقة له مثل (ديدر) و(منصور) و(بونعامة)، وهناك أسماء أخرى نجدها في كتب الفرنسيين لأقبلي على غرار (قصر إليغن) وهو أقبلي بحسب مارتان في كتابه الواحات الصحراوية[12]، أما القبيلة التارقية المجهولة أو المجموعات التارقية التي حلت بهذا المكان في فترات مختلفة، فيدل على أن العلاقات التاريخية والاجتماعية بين منطقة أقبلي والهقار كانت قوية ومتداخلة.
ويؤكد (بول أتجيي Paul Atjier) في مقال له عن التوارق في باريس هذا الوجود حين يستعرض حياة مجموعة من التوارق في العاصمة الفرنسية بداية القرن العشرين، فيقول:" في نهاية العرض جاء مهري يركبه بالة محمد من توارق أقبلي (تيديكلت)، ذو بشرة داكنة لكنه بمظهر أوروبي من نوع الباسك".[13] وإشارته إلى انتماء هذا الشاب يكشف عن التداخل الكبير الموجود بين مختلف مكونات المجتمع الجزائري دونما اعتبارات للفوارق اللغوية والاجتماعية.
3- أقبلي محطة عبور القوافل في اتجاه الجنوب.(رحلة دو فوكو مثالا):
تجمع المصادر التاريخية الغربية على أن أقبلي كانت المحطة الجنوبية الأخيرة التي تفصل توات وتيدكلت عن الهقار وتمبكتو، ولكونها واحة ذات موقع مهم، فقد مر بها كثير من الرحالة الأوروبيين بمختلف تخصصاتهم، وذكروا موقعها والدور الرئيس الذي تميزت به، وهو كونها محطة قديمة لعبور القوافل التجارية، إضافة إلى الحملات العسكرية بعد سقوط تيدكلت بالكامل على يد القوات الفرنسية.
يذكر (غيرهارد رولفس Gerhard Rohlfs) أقبلي قليلا في الكتاب الذي ضمنه رحلته الطويلة من تافيلالت إلى غدامس، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر(1864)، حين حدد موقعها ودورها الأساس كمحطة لعبور القوافل فيقول:" على بعد خمسة عشر كيلومترا تقريبا جنوب تيت تقع واحة أقبلي التي تتضمن (قصرا)، إنها مكان لتجمع القوافل التي تتجه إلى تمبكتو، وهناك أيضا تجتمع قوافل توات وتيدكلت. "[14]
وتجمع الكتابات الفرنسية على أن أقبلي بوصفها نقطة انطلاق تلك القوافل " كانت تشهد قافلتان اثنتان في كل سنة، الأولى تذهب إلى بلاد الهاوسة، والثانية تجتمع بالقافلة المغربية الكبرى التي تقصد تمبكتو"[15]، ويذهب (دوفيرييH. Duveyrier) إلى أن أقبلي كان لها السبق على عين صالح في السيطرة على هذه التجارة[16]، ويؤكد ذلك أيضا الكولونيل دو فيقول:" قافلتان منظمتان في السنة كانتا كافيتين لتأمين العلاقات والتبادلات التجارية بين أقبلي وتمبكتو." [17]
ويكشف هنري لوط عن طبيعة التجارة التي كانت تأتي بها القوافل التجارية من بلاد السودان إلى توات، فيرى أن عناصرها الأساسية هي العبيد والذهب والمهاري والغنم وريش النعام والعاج وغير ذلك[18] مما يتواجد بكثرة في تلك البلاد، وفي المقابل كانت تذهب من أقبلي التمور والقطن والمنسوجات الصوفية[19]
لكن الملحوظ في كتابات الرحالة الفرنسيين أنهم لم يأتوا على ذكر الجانب العلمي ممثلا في المخطوطات التي صاحبت تجارة القوافل إلى بلاد السودان، في الوقت الذي كانت فيه مطلوبة بقوة، وبخاصة في المجال الديني، فالشهرة العلمية التي نالتها تمبكتو مثلا كمركز علمي مهم في منطقة الساحل، لا شك أن لهذه القوافل دور فيها، على الرغم من تسليمنا بأن المخطوطات التي وصلت المنطقة كانت تأتي من طرق تجارية أخرى أيضا.
4- أقبلي مدرسة دو فوكو الأولى لتعلم التارقية.
أما شارل دي فوكو، فقد كانت (أقبلي) مهمة بالنسبة إليه لسببين: الأول أنها محطة لتعلم التارقية، والثاني للقاء القائد (لابيرين F.H.Laperrine) الذي سيصحبه في حاميته إلى الهقار، فبعد الخيبة الدينية التي مني بها في مهمته التبشيرية ببني عباس، قادته رغبته إلى القيام برحلة شاقة إلى بلاد الهقار بعد مشاورات عديدة مع القادة العسكريين الذين كان تحت حمايتهم، لقد كان يأمل في تحقيق هدفه " النبيل" في دعوة التوارق إلى النصرانية، مستعينا بالوسيلة الأكثر تأثيرا في الظروف الصعبة ممثلة في التقرب من الأهالي بود، والسعي إلى المساهمة بالمساعدات الإنسانية التي لا يعدم السبل إلى توفيرها.
علم دو فوكو أن أقبلي محطة مهمة في رحلته إلى الهقار، أولا لكونها البوابة الرئيسية في اتجاه الهقار وتمبوكتو، وثانيا لأن بها بقايا قبائل تارقية كان لها وجود قديم هناك، ما سيسمح له بتعلم اللغة التارقية، والاحتكاك الأولي بالتوارق وثقافتهم، على الرغم من قصر فترة استراحته بأقبلي التي لم تدم سوى بضعة أسابيع بين فبراير ومارس من عام 1904.
ينقل (ريني بازان René Bazin) كاتب سيرة دو فوكو أنه" بدأ تعلم لغة التماشق في فترة استراحة بأقبلي، نقطة عبور القوافل"[20]، وصلها في شهر فبراير، و"في 14 مارس 1904 خرج القائد (لابيرين) من أقبلي رفقة رفيقه وصديقه [دي فوكو]"[21].
بل إن دو فوكو نفسه يقول في إحدى رسائله إلى مسئوليه:" المكان الأفضل لدراسة اللغة التوارقية تماهق هي بلدة أقبلي، حيث السكان كلهم يتكلمون هذه اللغة، وحيث تتواجد كل حين قوافل للطوارق، فمن المقرر أن أذهب إليها وأدرس فيها اللغة التوارقية من كل قواي"[22]. وهذا يؤكد الرغبة الجامحة في تعلم هذه اللغة وفي وقت قصير، لأن الهدف كان كبيرا، والمغنم المتوقع نفيس، وكان المعلم يدعى محمد عبد القادر،" وهو رجل سافر طويلا عند التوارق وسكن تمبوكتو"[23].
لقد كانت أقبلي إذن محطة مهمة وحاسمة في مسار دي فوكو، لأنه سينتقل منها إلى مجتمع يمكنه التواصل معه، والتغلغل التدريجي في وسطه، بل وترجمة الإنجيل إلى لغته، وإنجاز قاموس للغة إيموهاغ، في انتظار تحقيق أهدافه التبشيرية التي رسمها لمهمته.
5- أقبلي والبحث عن المعادن:
مثلت الجزائر بالنسبة لفرنسا الاستعمارية أرضا متنوعة الثروات، وكثيرة الخيرات بما تحتويه من مواد زراعية ومعدنية وطاقوية، ففي كل منطقة تجد مرتعا لها يشجعها على التمسك باحتلالها وبناء مجدها الاقتصادي على حساب الجزائريين، غير أن ما يهمنا في هذا المقام هو ما تشير إليه بعض الكتابات الفرنسية من وجود بعض المناجم المستغلة بمنطقة أقبلي وضواحيها؛ سواء من الساكنة أم من الشركات الفرنسية، وهي معادن نجدها في الغالب بمناطق كثيرة من القطر الجزائري اعتمدها الإنسان لغايات عديدة.
من بين هذه المواد نجد الشب[24] الذي أشار إليه أكثر من مصدر من تلك الكتابات؛ ففي كتاب رولفس سابق الذكر نجد قوله: " ... وتعرف أقبلي أيضا بأنها تحتوي على مناجم الشب."[25] ويؤكد ذلك )فلامون (Flamand حين يذكر أن من بين منتجات أقبلي الطبيعية الملح الصخري[26]. وفي موضع آخر يقول:" يوجد منجم للفخار مستغل في محيط أقبلي، بالقرب من قصر ساهل، وبجوار منجم للشب واقع أعلاه." [27]
ينقل (فلامون) عن أحد المواطنين قوله: "وأما الحجارة السوداء التي تحتوي على الماس فهي موجودة بين والّن وأقبلي. وأقبلي تقع في الجنوب الغربي من عين صالح، ووالن تقع في الشمال الغربي من أدرار" [28]
وجاء في كتاب (واحات الصحراء) لـ(ألفريد مارتان A. Martin) قوله: " في سنة 1903 حلت ورشة حفر بأقبلي، وعلى الرغم من حفر مسافة 70.50م، لم يتحصل إلا على مستوى تصاعدي يصل إلى 10 أمتار من الأرض. وكشف المسبار هنا، بالإضافة إلى الأحجار الرملية، عن الطين والرمال، وأحجار الكلس وطبقة من خام النحاس يبلغ سمكها 3م18 مدفونة على عمق 66m80 ".[29]
نستنتج مما سبق أن:
- اهتمام الرحالة والمستكشفين والعسكريين الفرنسيين بأقبلي نتج أساسا عن موقعها الجغرافي المهم، لكونها آخر نقطة تفصل توات وتيدكلت عن الصحراء الكبرى، ومنه لكونها نقطة تجمع القوافل المتجهة إلى تمبكتو والسودان الغربي.
- إن التأسيس التدريجي لأقبلي بدأ في القرن الثالث عشر، من خلال القصور المتلاحقة التي تشكلت عبر مراحل، ومن خلال التركيبة البشرية المتنوعة التي سكنت المنطقة وبخاصة من (فيلالة والتوارق وتوات)، ما يعني أن أقبلي كان منطقة مفصلية في العلاقة بين الحواضر الإفريقية والجنوب الجزائري.
- أغلب الفرنسيين الذين كتبوا عن أقبلي كانوا أصحاب مهام عسكرية، وكتاباتهم في الغالب بدأت مع دخول الفرنسيين منطقة تيدكلت بداية القرن العشرين، فكانت على شكل تقارير أو رسائل أو كتب موجهة إلى قوات الاحتلال تساعدها على الزحف على ما تبقى من أراض، أما شارل دي فوكو، وعلى الرغم من أن مهمته كانت دينية، إلا أنها كانت مصاحبة لحملات أصدقائه وحماته العسكريين من أمثال لابيرين وموتيلينسكي.
- إشارة بعض الفرنسيين إلى الموارد المنجمية بأقبلي دليل على سعي فرنسا الاستعمارية إلى البحث عن أي مصدر للطاقة أو المعادن الطبيعية تكون قابلة للاستغلال، بدليل أن فكرة فصل الصحراء عن الجزائر، تبلورت بعد اكتشاف النفط سنة 1956 بحاسي مسعود وما تلاه من اكتشافات هائلة للغاز أيضا.
[1] Maurice Honoré. Le Transsaharien et la Pénétration Française en Afrique. A . P E D O N E, E D I T E U R. Paris .1901.p.11
[2] Ibid. 12
[3] يمثل هذا النوع من الرحلات مجموعة (أراضي المغامرة Terres d4aventure) التي أشرف عليها مارك دي غوفنان، ونشرتها دار النشر Actes Sud) ) من كتابها تيودور مونو وآخرون.
[4] تأتي أهمية كتاب فوانو من التوصيف الذي ختم به ناشر كتابه (تيدكلت) إذ قال:" لا أحد كان أكثر قدرة على إنجاز دراسة عن تيديكلت من النقيب فوانو، لأنها المنطقة التي بدأ فيها حياته العسكرية، واستطاع معرفة نواحيها وزيارة واحاتها، انطلاقا من عين صالح وصولا إلى أقبلي. (الصفحة الأخيرة من كتاب فوانو)
[5] Louis VOINOT. Le Tidikelt : Etudes sur la géographie, l’Histoire, les Mœurs du pays. Ed. Jaques Gandini .p 49
[6] Ibid. 63
[7] Ibid. 49
[8] Ibid. 62-63
[9] مقتطف من تقرير للكولونيل إدوارد دي نوفو قائد المكتب السياسي بالجزائر ( 1809-1871) كتبه بتاريخ 25 أوت 1856 ينظر:
http://www.berberemultimedia.fr/bibliotheque/auteurs/Neveu2_BSG_1856b.pdf
[10] Theodore MONO. MEHAREES. Actes sud. 1989. Pp. 227-228
[11] مقتطف من تقرير للكولونيل إدوارد دي نوفو. مرجع سابق.
[12] A.G.P. Martin. Les Oasis Sahariennes. 113
[13] Atgier Paul. Les Touareg à Paris. In: Bulletins et Mémoires de la Société d'anthropologie de Paris, V° Série. Tome 10, 1909. pp. 227
[14] Gerhard Rohlfs . Voyages et exploration au Sahara. T1.trad. Jaques Debetz. Karthala-Paris. P 239
[15] M. Bernard. Deuxieme mission Flatters. Adelphe Jordan Librairie- editeur. Alger. 1882. P 53
[16] DUVEYRIER H. Les Touareg du Nord, Challamel, Paris, 1864 (p. 296).
[17] Colonel D’eu. In –Salah et Le Tidikelt .Librairie Militaire R.chapelot- Paris. 1903. p112.
[18] Ali ben ghania. Encyclopedie Berbere – Ahaggar. Edisud. – France. 1997. p324.
[19] Ibid. 396-397
[20] Rene Bazin. Le Père de Foucault. Librairie PLON. Paris.p 78
[21] Ibid. 78
[22] أنطوان شاتلار. شارل دي فوكو، الطريق إلى تامنراست. ترجمة الأب ألبير أ بونا. منشورات دار نجم المشرق. بغداد. 2005. ص 203
[23] المرجع نفسه . 204
[24] وهو مركب كيميائي ثم استخدامه لأغراض غذائية ومنزلية لأكثر من 2000 سنة مثل التخليل والتعليب ودباغة الجلود ومواد التجميل وغيرها.
[25] Gerhard Rholfs . Voyages et Explorations du Sahara.
[26] G.B.M. Flamand. Aperçu général sur la géologie et les productions minérales du bassin de l‘oued Saoura .L. Daniel –lille. 1897. P.122
[27] Ibid. p100
[28] Ibid.. p82
[29] A.g.p. Martin .Les ouasis Sahariennes. Augustin Challamel edition. Paris 1908. P 284
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق