الأحد، 20 أكتوبر 2019

الاستشراق الفرنسي ( منقول)


المملكة العربية السعودية
  وزارة التعليم العالي
 جامعة الملك سعود



الاستشراق الفرنسي
نشأته وخصائصه وشخصياته





إشراف الدكتور: خالد القاسم
إعداد الطالبة: وفاء الخميس
الرقم الجامعي: 431203471






«


المقدمة


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحابته وأزواجه صلاة وسلاماً إلى يوم الدين، أما بعد: فإن الله بعث نبيه محمداً » بدين الإسلام ناسخاً لجميع الأديان قبله، قال تعالى: ﴿ [آل عمران:85]، وقال: ﴿ﭿ ﴾ [المائدة:48].
ومن الأديان التي ظهرت قبل الإسلام ثم نسخها لما ظهر: اليهودية. والنصرانية؛ أكثر دين على وجه الأرض أتباعاً حتى الآن. وقد عادى الكثير من أتباع الديانات السماوية والأرضية محمداً » منذ أن بعث. وكادوا له ولدينه، ليقضوا على الإسلام، إلا أن الله أتمّ نوره وحفظ نبيه من شرورهم، ومكّن لدينه في الأرض حتى قامت حضارة ودولة عظمى (كانت في وقتها الدولة الكبرى المرهوبة الجانب).. فكان هذا دافعاً لهم للكيد بطريقة أخرى، فاتجهوا إلى تراث المسلمين ولغتهم العربية ينهلون منهما؛ لتتكون عندهم قاعدة للتعرف على المسلمين فيسهل اختراقهم والسيطرة عليهم.. هنا بدأ مفهوم الدراسات الشرقية أو الاستشراق.
يقول أحد المستشرقين: "لقد قمنا بدراسة شعوب الأراضي المنخفضة، بشكل لم يقم به أي منتصر، وبشكل لم تدرس أو تفهم فيه قبيلة خاضعة للسيطرة! فنحن نعرف تاريخهم، وعاداتهم، وحاجاتهم، ونقاط ضعفهم، بل وأحكامهم المسبقة.. وهذه المعرفة الخاصة قد أتاحت لنا توفير قاعدة للإراشادات السياسية التي يمكن ترجمتها بالحذر الإداري، والإصلاح اللازم في حينه، وهذا ما يرضي الرأي العام"([1]).
وقد تنافست الدول الأوروبية في هذا المجال، ودعمت المنتسبين له، ورصدت الميزانيات الضخمة التي تسنده مالياً، واعتنت برواده، ومؤسساته، لما علمت من خطورة أثره.. ومن هنا تبرز أهمية هذا البحث الذي حاولت فيه أن أجيب على سؤال مهم: ما الذي قامت به فرنسا تجاه الاستشراق والمستشرقين؟
وهدفي من هذا البحث التعرف على الاستشراق الفرنسي ونشاطاته ومؤسساته.. وقد سلكت في هذا البحث المنهج التالي:
1.   حرصت على الاختصار قدر الإمكان؛ لقصر الوقت، وطول الموضوع وتشعبه.
2.   عزوت الآيات القرآنية إلى مواضعها، وجعلت العزو في متن البحث، ونسخت الآيات من المصحف حتى لا يدخل خطأ في كتابتها.
3.   ذيلت البحث بفهرسين: واحد للمراجع، وثان للموضوعات. وتركت بقية الفهارس كفهرس الآيات والفرق والمصطلحات؛ وذلك لصغر حجم البحث.
4.   تركت الترجمة للأعلام والأماكن والفرق؛ لضيق الوقت.
5.   عند حديثي عن الشخصيات الاستشراقية الفرنسية رتبتها ترتيباً زمنياً، حيث ابتدأت بالأقدم وفاة، وهكذا.
وقد قسمت هذا البحث إلى مقدمة وتمهيد وفصلين وخاتمة، بالإضافة إلى فهرس للمراجع وللموضوعات.
في المقدمة تناولت أهمية البحث، ومنهجي فيه، وتقسيماته، وما إلى ذلك...
وفي التهميد: عرفت فيه بالاستشراق وبينت دوافعه.
أما الفصل الأول فتحدثت فيه عن الاستشراق الفرنسي: بداياته ونشاطه وخصائصه، عبر ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: نشأة الاستشراق الفرنسي
المبحث الثاني: مظاهر النشاط الاستشراقي الفرنسي
المبحث الثالث: خصائص الاستشراق الفرنسي
الفصل الثاني: نماذج من المستشرقين الفرنسيين، وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: سلفستر دي ساسي
المبحث الثاني: غوستاف لوبون
المبحث الثالث: ليفي بروفنسال
المبحث الرابع: لويس ماسينيون
المبحث الخامس: مستشرقون آخرون
ثم ختمت البحث بخاتمة بسيطة بينت فيها أهم النتائج التي خرجت بها.
على أني لا أدّعي كمالاً بل أزجي الشكر لأستاذي الكريم، والجامعة الموقرة، وأعتذر عن التقصير الشديد، فالله يعلم حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقي، فمسؤوليات المنزل، والأم، والبنت، والزوجة، تضيق الوقت.. وتقلل التركيز.. والله أسأل توفيقاً وإعانة وبركة..
 أسأل الله العظيم أن يكون هذا البحث إضافة مفيدة في موضوعه، وأن ينفع به، ويجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، آمين..


تمهيد: معنى الاستشراق ودوافعه


بعد أن انتهت الحروب الصليبية في المشرق والمغرب الإسلاميين، لفت نظر الغربيين تلك الحضارة الإسلامية العظيمة في جانبيها المعنوي والمادي، فبدأوا يعدّون العدة لغزوها فكرياً، وعقدياً واجتماعياً.. وأنشأوا لذلك مدارس ومعاهد تعنى بالشرق الإسلامي وعلومه. وقبل الشروع في المقصود، يجدر بنا التعرف على معنى الاستشراق، وأهدافه..
تعريف الاستشراق في اللغة والاصطلاح:
في اللغة:
الاستشراق مصدر من الفعل السداسي: استشرق، وأصله: (شَ رَ قَ)، والألف والسين والتاء إذا سبقت الفعل الثلاثي أفادت الطلب، وعلى هذا فاستشرق: أي طلب الشرق([2]). والشرق: الشمس، أو الجهة التي تشرق منها، والـمَشْرِق: مثله، وفي النسبة: مَشْرقِي (بفتح الراء وكسرها). والشَرْقَة والمَشْرقة (مثلثة الراء): موضع القعود في الشمس بالشتاء. وتشرَّق: أي جلس فيه. وأشْرَق: دخل في وقت شروق الشمس، وأشرقت الشمس: أضاءت([3]).
وعلى هذا فمعنى الكلمة يدور حول: جهة الشروق، والضوء (والذي يتبادر للذهن عند ذكر الشمس). فسمي الاستشراق بذلك لأن أهله (الغرب) طلبوا علوم المسلمين والعرب، وبحثوا في الإسلام، حيث كان مبدؤه من جهة الشرق بالنسبة لهم.
المقصود بالاستشراق:
اختلفت معاني الاستشراق تبعاً للهدف الذي وجّه أصحابه، ومن هذه التعريفات والمعاني للاستشراق ما يلي: هو أسلوب غربي لمعرفة العالم الشرقي عن طريق البحث أو التخصص في الشرق، بدراسة علوم وآداب وديانات وتاريخ شعوب الشرق، للسيطرة عليه([4]).
أما تعريف الموسوعة الميسرة فهو: "تعبير يدل على الاتجاه نحو الشرق، ويطلق على كل ما يبحث في أمور الشرقيين، وثقافتهم، وتاريخهم. ويقصد به: ذلك التيار الفكري الذي يتمثل في إجراء الدراسات المختلفة عن الشرق الإسلامي، والتي تشمل حضارته وأديانه، وآدابه، ولغاته، وثقافته. ولقد أسهم هذا التيار في صياغة التصورات الغربية عن الشرق الإسلامي بصورة خاصة، معبراً عن الخلفية الفكرية للصراع الحضاري بينهما"([5]).
وهناك تعريفات عديدة غير هذه التعريفات تختلف باختلاف مجال الدراسة، والمنطقة المدروسة، والجهة الدارسة([6]).. والملاحظ: أن بعض هذه التعريفات ركز على جانب دون جانب إلا أنها تجمع على دراسة علوم الشرق، وخاصة الإسلام.
دوافع الاستشراق وأهدافه:
تتنوع دوافع الاستشراق تبعاً لمكانة المستشرق والجهة التي تتبناه، فمن ترسله الكنيسة يغلب عليه الدافع الكنسي التنصيري (أو التبشيري)، ومن ترسله الجهات الاستعمارية يغلب عليه الدافع الاستعماري وهكذا.. وعلى هذا فمن أهم دوافع الاستشراق:
1- الدافع العلمي: لأن أوروبا أدركت أنها لا تستطيع النهوض والتخلص من الحكم الإسلامي، إلا بالعلم الذي أقام عليه المسلمون فتوحهم وحكمهم، فانكبوا على دراسة التراث الإسلامي في التاريخ والجغرافيا والفلك والعلوم وغيرها، بل حتى الأساطير. وتنافسوا في جمع المخطوطات شراءً ومصادرةً، كما قاموا بترتيبها وترجمتها وفهرستها([7]). كما يلاحظ أن هناك نفراً منهم أقبلوا على الاستشراق ودافعهم حب الاطلاع على حضارات الأمم والأديان، وأديانها، وهؤلاء كانوا أقل من غيرهم خطأ في فهم الإسلام وتراثه([8]).
2- الدافع الديني: جاء الاستشراق بديلاً عن الحروب الصليبية لتحطيم عقيدة المسلمين وفكرهم، والعمل على نشر عقيدة النصارى، ولتحقيق هذا الغرض: عملوا على حرب الإسلام عبر تنصير المسلمين، ومحاولة حجب الإسلام الحق عن الأوروبيين وبث دراسات منحازة ضد الإسلام. كما تم إنشاء مركز لدراسة اللغة العربية في الفاتيكان([9]).
3- الدافع الاستعماري: قام الاستعمار والاستشراق بمساندة بعضهما، ولا يتصوّر تخلّي أحدهما عن الآخر؛ إذ اتكأ الاستعمار على الدراسات التي قدمها المستشرقون قبل وأثناء غزوهم للبلاد الإسلامية، وكان ساسة المستعمرين يغدقون على المستشرقين ما يحتاجونه من مال أو جهد أو استشارة([10]).
4- الدافع المالي أو التجاري: حرص بعض الغربيين على تشجيع الاستشراق الذي يعينهم على معرفة أحوال الشرق الاقتصادية لترويج بضائعهم، وشراء موارد الشرق الطبيعية ومنافسة الصناعات المحلية التي كانت لها مصانع مزدهرة في مختلف البلاد الإسلامية. كما يتمثل هذا الدافع في طموح الغرب لنهب نتاج المسلمين الفكري والعلمي، كما يشهد على ذلك: متاحف الغرب وجامعاته المملوءة بالمخطوطات والكتب العربية والإسلامية([11]).
ومن خلال هذه الدوافع تبين أن أهم هدف عند المستشرقين: العمل على تشويه تاريخ المسلمين، والحط من قيمهم التي جاء بها الإسلام، والإعلاء من شأن العلوم والقيم الغربية، وإظهار أي محاولة للرجوع إلى الدين الحق بمظهر الرجعية والتخلف، والعمل على تفريق وحدة المسلمين عن طريق إحياء العصبيات والقوميات والحضارات السابقة على الإسلام.




الفصل الأول: الاستشراق الفرنسي: بداياته ونشاطاته وخصائصه



المبحث الأول: نشأة الاستشراق الفرنسي
المبحث الثاني: مظاهر النشاط الاستشراقي الفرنسي
المبحث الثالث: خصائص الاستشراق الفرنسي


المبحث الأول: نشأة الاستشراق الفرنسي


نشأت العلاقة بين فرنسا والعالم الإسلامي منذ فتح المسلمين لمقاطعات فرنسية، ثم استمرت أثناء وجود المسلمين في الأندلس، وفي الحروب الصليبية، ثم إنشاء طرق للتجارة، وتبادل السفراء، ثم احتلال شمال أفريقيا، وحملة نابليون على مصر، وفتح قناة السويس والانتداب الفرنسي في سوريا ولبنان. وكانت تلك العلاقات متعددة متنوعة متعاقبة اختلط فيها الحرب والسلم والتجارة والثقافة جميعاً([12]).
عام 1553م قام فرانسوا الأول بالمحاولات الفرنسية الأولى لتدريس العربية واللغات السامية الأخرى حيث أنشأ معهداً بباريس، وأعدّ فيه منبراً لتدريس العربية واليونانية واللغات السامية الأخرى، ثم جُدد بعد ذلك بداية القرن السادس عشر الميلادي([13]). وقد ضمت فرنسا أول ترجمة فرنسية لمعاني القرآن في العصور الوسطى، وهي ترجمة قام بها انجليزي وألماني، واستعانة باثنين من العرب، وتمت عام 1143م، برعاية (بطرس المحترم) رئيس دير كلوني بجنوب فرنسا وهو من أهم الأديرة في أوروبا. وكانت ترجمة رديئة كثيرة الأخطاء، ومع ذلك فقيل: إنها أحرقت خشية تأثر اللاتين بها. والمنقول أنها ظلت محفوظة في الدير حتى نشرت بأوروبا عام 1543م، ثم تتابعت الترجمات بعد ذلك باللغات الأوروبية([14]). أما مفهوم الاستشراق مؤسسياً أكاديمياً فلم يظهر في أوروبا بهذا الاسم إلا نهاية القرن الثامن عشر، فظهر أولاً في بريطانيا عام 1779م، ثم في فرنسا 1799م، وأدرج مفهوم الاستشراق في قاموس الأكاديمية الفرنسية عام 1838م، وسبقت الاستشراق مراحل سمي فيها بـ (الدراسات العربية والإسلامية)([15]).

المبحث الثاني: مظاهر النشاط الاستشراقي الفرنسي


بالإضافة إلى جهود التي المستشرقين الفرنسيين، فقد تجلّى الاستشراق الفرنسي في مظاهر عديدة، ويمكن إجمال المؤسسات العلمية التي أنشأتها فرنسا في الأمور التالية:
أولاً: كراسي اللغات الشرقية:
1-             مدرسة ريمس بأمر البابا سلفستر الثاني ومدرسة شارتر في القرن الثاني عشر الميلادي.
2-             أنشأ البابا معهداً لتعليم اللغات الشرقية عام 1285م.
3-     أنشأت جامعة باريس كرسياً للغات السامية (بتوصية من مجمع فيينا بإنشاء كراس للعربية والعبرية والكلدانية في عواصم العلم الأوروبية).
4-             جامعة تولوز أنشأها رجال الدين عام 1217م.
5-             جامعة بوردو أنشئت عام 1441م، وفيها معهد الآداب للغة العربية والتمدين الإسلامي.
6-             أنشأ الملك فرانسوا الأول كرسياً للعربية والعبرية في ريمس عام 1519م.
7-     في القرن السابع عشر ألّف كولبر (وزير الملك لويس الرابع عشر) بعثة عرفت بـ (فتيان اللغات) لتعلم اللغات السامية في معاهد باريس، ثم أرسلوا للقسطنطينية لإتقان تلك اللغات، ثم ألحقوا بالسلك السياسي، أو عينوا مترجمين أو أساتذة للغات السامية.
8-     أنشئت المدرسة الوطنية للغات الشرقية الحية في باريس عام 1795م للسفراء والقناصل والتجار. وتضم اليوم أقساماً للعربية الفصحى ولهجات المغرب والشرق.
9-     جامعة السوربون: بدأها الأب روب ردي سوربون بهبة منه، ثم جدد بناءها الكاردينال ريشليو، وضمها نابليون إلى جامعة باريس. وعني فيها بدراسة الآداب وتاريخ الفن الإسلامي المغربي وتاريخ الشعوب الشرقية، ودراسات في اللغة والألسنية والحضارة العربية...
10-   المدرسة الشرقية في القسطنطينية: أنشئت عام 1802م، وعنيت بتخريج رجال السلك السياسي، وأشرف عليها مستشرقون مشهورون.
11-       جامعة ليون: أنشئت عام 1808م، وفيها اللغة العربية والآثار المصرية والتمدين الإسلامي.
12-   المدرسة العملية للدراسات العليا في باريس: أنشئت عام 1868م، وفيها قسم العلوم الدينية، وفقه اللغات الشرقية.
13-       جامعة ستراسبورج: أنشئت عام 1872م، وفيها تاريخ الشرق.
14-       المعهد الكاثوليكي في باريس: أنشئ عام 1875م، وفيه اللغات العربية والسريانية والقبطية([16]).
ولم تقتصر فرنسا في تعليم اللغات السامية على مدارسها ومعاهدها وجامعاتها في فرنسا، بل أنشأت مثيلاتها في الدول العربية، وشمال أفريقيا وغيرهما، وزودت معظمها بالمكتبات والمطابع والعلماء.. ومن تلك المعاهد ما يلي:
1-  في مصر: أسس نابليون معهد مصر عام 1798م. ثم أنشأ ماسبيرو عام 1880م المعهد الفرنسي للآثار الشرقية في القاهرة. والهدف إخضاع عدائية الشعب.
2-  وفي تونس: أنشأ كلية بورجاد الراهب الأب بورجاد عام 1841م، ثم تحولت إلى معهد الآداب العربية عام 1937م. ثم أنشئ معهد قرطاجنة عام 1895، ومعهد الدراسات العليا عام 1945م.
3-  وفي الجزائر: أنشأ فاري عام 1881م مدرسة الآداب العالية، ثم تحولت إلى جامعة عام 1909م، وتعنى باللغة العربية (العصرية) وعلم الآثار الإسلامية والتاريخ، وألحق بها معهد للدراسات الشرقية.
4-  المعهد الفرنسي في دمشق: عام 1922م.
5-  المعهد الفرنسي الإيراني في طهران: عام 1948م([17]).
ثانياً: المكتبات الشرقية:
تكونت في فرنسا مكتبات عديدة عنيت بالمصادر الشرقية والعربية الإسلامية، ويمكن تقسيمها على النحو التالي:
أ- المكتبات الشرقية في فرنسا:
أهمها: مكتبة باريس الوطنية، أنشئت عام 1654م. وتحتوي على ستة ملايين كتاب ومخطوط، منها نحو 7000 مخطوط عربي من النفائس العلمية والأدبية والتاريخية والنوادر. ويوجد في المكتبة قطع من المصحف مكتوبة من القرون الثاني والثالث والرابع للهجرة. كما يوجد فيها مخطوطات لكتب عربية في موضوعات مختلفة منسوخة منذ القرن الرابع أو الخامس أو السادس أو السابع للهجرة النبوية. كما تضم المكتبة نوادر النقود والأوسمة والأختام والخرائط([18]).
ب- مكتبات الجامعات والمعاهد:
منها: مكتبة ستراسبورج، ومكتبة المدرسة الوطنية للغات الشرقية الحية، ومكتبة بلدية أفينيون، ومكتبة الجمعية الآسيوية في باريس([19]).
ج- المكتبات الخاصة:
لمعظم المستشرقين مكتبات خاصة أوقف بعضها للمكتبات العامة، ومنها: مكتبة فرانك، ومكتبة الكونت رشيد الدحداح، ومكتبة فلوريان فرعون، ومكتبة خليل غانم، ومكتبة جان طرازي، جميعهم في باريس. ومكتبة عبد الله مراش في مرسيليا، ومكتبة حبيب زيات في نيس. وقد اعتنى الفرنسيون بتلك المكتبات فتمت فهرستها وتصنيفها([20]).

د- مكتبات شمالي أفريقيا:
فهرس المستشرقون الفرنسيون بعض المكتبات الموجودة في شمال أفريقيا، ومنهم: رينه باس: فهرس مكتبة آل عظوم في القيروان، والمخطوطات العربية في مكتبة فاس، كما فهرس مكاتب الزوايا. وفانيان: فهرس المخطوطات العربية والتركية والفارسية في مكتبة مدينة الجزائر الوطنية. وجورج سالمون: فهرس مخطوطات مكتبة خاصة في طنجة. وبلوشه: فهرس البعثة العلمية في المغرب. وألفرد بل: فهرس الكتب العربية في مكتبة جامع القرويين بفاس. وليفي بروفنسال: فهرس المخطوطات العربية في الرباط، ووصف 544 مخطوطاً.. وغيرهم فهرسوا ونظموا المكتبات والمخطوطات في شمال أفريقيا([21]).
ثالثاً: المطابع الشرقية:
بدأت الطباعة الشرقية بالعبرية في باريس عام 1519م، ثم أسست فرنسا المطابع الشرقية أسوة بروما، وأهم المطابع: مطبعة دي بريف([22]). ولم تقتصر المطابع الشرقية على فرنسا وحدها، بل إن نابليون جلب معه مطبعة وعددا من الباحثين والعلماء إلى مصر أثناء حملته عليها، مما دعا بعض الباحثين إلى اعتبار الحملة بداية للاستشراق([23]).
رابعاً: الجمعيات الاستشراقية:
ومنها: الجمعية الآسيوية الفرنسية، والتي تأسست في باريس عام 1822م. صدر كتابها السنوي عام 1992م، ومن أهم أهدافها:
1.   تأليف ونشر الكتب النحوية واللغوية وغيرها، مما لها علاقة بدراسة اللغات الشرقية.
2.   الحصول على المخطوطات وترجمتها، أو أخذ مختارات واقتباسات منها.
3.   جمع تبرعات دورية تخصص للأدب الآسيوي، وآثار الشرق العلمية والشعرية.
4.   جمع المعلومات عن الشرق، وجعلها مجالاً للتخصص العلمي([24]).
خامساً: المجلات الشرقية:
لفرنسا مجلات خاصة بالاستشراق، تصدر -في باريس وشمال أفريقيا والشرق الأدنى- عن الجمعيات أو المعاهد أو الإدارات الحكومية أو الهيئات الخاصة، أو الرهبنات ذوات اللسان الفرنسي. وتعنى بالعرب في تحقيق تاريخهم وجغرافيتهم وأنسابهم، وبحث أديانهم وشرائعهم ومذاهبهم وأخلاقهم، ودراسة لغاتهم وعلومهم وآدابهم وفنونهم.. وألفت في مجموعها مكتبة كبيرة فيها زبدة أعمال المستشرقين في آلاف المجلدات، وأشهر تلك المجلات:
1.   صحيفة العلماء: 1665م، صدرت عن جمعية العلماء الفرنسيين في باريس.
2. المجلة الآسيوية: 1822م، أصدرتها الجمعية الآسيوية الفرنسية في باريس. أصدرت 330 مجلداً تتناول قارة آسيا، ولا سيما العالم العربي والإسلامي.
3.   المجلة الأفريقية: 1856م، تصدرها الجمعية التاريخية الجزائرية في الجزائر.
4.   مجلة تاريخ الأديان: 1880م.
5.   مجلة العلوم الدينية: حولية تصدر في سترسبورج.
6.   نشرة المراسلات الأفريقية: 1881م.
7.   حوليات الجغرافيا: 1891م. حولية تصدر في باريس.
8.    المجلة التونسية: 1894م، يصدرها معهد قرطاجنة في تونس كل ثلاثة أشهر.
9.    نشرة المعهد الفرنسي للآثار الشرقية في القاهرة: 1901م. حولية تعنى بالآثار والتاريخ في مصر والشرق العربي.
10.                       نشرة الجمعية اللغوية: 1905م. تصدر في باريس كل ثلاثة أشهر.
11.                       مجلة الشرق المسيحي: 1905م. حولية تصدر في باريس.
12.         مجلة هسبيريس: 1921م، أصدرها هنري باسه كل ثلاثة أشهر في باريس بإشراف معهد الدراسات المغربية العليا في الرباط.
13.         مجلة الدراسات الإسلامية: 1927م، صدرت في باريس بإشراف لويس ماسينيون ومشاركة معهد الدراسات الإسلامية في باريس، والمعهد الفرنسي في دمشق، كل ثلاثة أشهر. وكانت تنشر في العدد الأخير من كل سنة ثبتاً بالمصنفات الإسلامية لجميع المراجع، ومختصراً لمحاضرات أساتذة الاستشراق في باريس طوال العام.
14.                       نشرة الجماعة اللغوية للدراسات الحامية السامية: 1931م شهرية تصدر في باريس.
15.         نشرة المعهد الفرنسي للدراسات الشرقية في دمشق 1931م: حولية تعنى بالآثار والتاريخ في سوريا والشرق العربي.
16.                       حوليات معهد الدراسات الشرقية بجامعة الجزائر 1934م: تصدر في باريس.
17.         مجلة معهد الآداب العربية 1937م: تصدر كل ثلاثة أشهر في تونس، وتعنى بالعادات والحرف واللهجات والتربية والحضارة.
18.                       حوليات التاريخ الاجتماعي 1939م: تصدر في باريس كل ثلاثة أشهر.
19.                       نشرة الدراسات العربية 1941م.
20.                       المجلة السامية 1948م: حولية تصدر في باريس.
21.                       كراسات تونس 1953م: تصدر في تونس.
22.         مجلة العربية (أرابيكا) 1954م: للمستعربين الفرنسيين ونظرائهم تصدر ثلاث مرات في السنة، عن قسم الإسلاميات في جامعة باريس. أنشأها ليفي بروفنسال.
23.                       المعرفة: تصدر في باريس باللغتين العربية والفرنسية.
24.                       المجلة الفرنسية لدراسات البحر المتوسط: باريس.
وغيرها الكثير من المجلات والنشرات العامة والمتخصصة في علم أو أكثر([25]).
سادساً: المجموعات الشرقية:
نهضت المجامع وإدارات الحكومة والهيئات الخاصة وبعض العلماء بإصدار مجموعات علمية، كالمكتبة الشرقية وجمعية نشر كنوز المخطوطات الشرقية في مكتبة باريس، ومن أشهرها:
1.   مجمع الكتابات والآداب 1663م: أصدر مجموعة مؤرخي الصليبية في ستة عشر مجلداً.
2.   المراجع العربية تناولت مصادر غير منشورة عن تاريخ المغرب.
3. مجموعة الكتابات السامية 1872م: تقع في خمسة أقسام: النصوص الفينيقية والآرامية والعبرية والحميرية والسبئية. وغيرها من المجامع والمجموعات([26]).

المبحث الثالث: خصائص الاستشراق الفرنسي


تميز الاستشراق الفرنسي بسمات عديدة ذكرها أحد الباحثين وأنقلها هنا على سبيل الاختصار:
1.   تتركز دراسات المستشرقين الفرنسيين حول ثلاثة محاور: المحور الديني، والمحور السياسي، والمحور الاستعماري.
2. للاستشراق الفرنسي أثر كبير في توجيه الاستشراق الألماني والانحراف به نحو منعرجات دينية وسياسية، ويبرز ذلك من خلال تتلمذ الكثير من المستشرقين الألمان على مستشرقين فرنسيين.
3.   يعد معهد اللغات الشرقية أهم مكان ترعرع فيه الاستشراق الفرنسي.
4.   كان لجامعة السوربون أثر واضح في تنشيط الدراسات الشرقية في فرنسا.
5. كان لتأسيس المعاهد والمدارس والمراكز الثقافية في بلاد الشرق تأثير كبير في فَرْنَسةِ عدد من هذه البلاد خاصة تلك التي استعمرتها فرنسا.
6.   يمتاز الاستشراق بالتخصص؛ فإن معظم أفراده يتخصص كل منهم في جانب معين من جوانب البحث والدراسة.
7.   نشأت معظم الجامعات والمعاهد الفرنسية التي تعنى بالدراسات الشرقية بجهود رهبان وقساوسة، كما تولوا إدارتها.
8. قام الاستشراق الفرنسي بفهرسة الكثير من الكنوز الشرقية من مخطوطات ووثائق وغيرها، سواء في فرنسا أو في غيرها من البلاد التي استعمرتها.
9.   اهتم الاستشراق الفرنسي بكل ما يتعلق بالشرق عموماً، وإن كان تركيزه يشتد على علوم المسلمين والعرب.
10.         يعد الاستشراق الفرنسي المرجع الأوروبي الأول عن الأبحاث والدراسات الخاصة بالطوارق والبربر، وكان تركز مستعمراته في أفريقيا عاملاً مساعداً له على ذلك، واهتمامه بهذا النوع من الدراسات لا يخلو من نوايا استعمارية.
11.         ترك بصماته الواضحة على التعليم في أفريقيا (وخاصة في الشمال منها)؛ وذلك بسبب ما أتيح لأعضائه من فرص في التدريس والتوجيه التربوي وتخطيط المناهج.
12.                       اهتم كثيراً بالآثار وتتبعها في مواقعها، وأنشأ لها معاهد ومراكز خاصة.
13.                       ضم بين صفوفه الكثير من ضباط القوات المسلحة الفرنسية، وأتاح لهم عملهم في المستعمرات الفرنسية النبوغ في ميدان الدراسات الشرقية في مختلف جوانبها([27]).
14.         تأثر الأدب الفرنسي بالشرق عموماً، وبالعرب والإسلام خصوصاً. حيث اطلع الآباء اليسوعيون على الثقافة الصينية وترجموا روائعها، وقد تأثر الأدباء الفرنسيون ببعض التيارات والموضوعات السائدة في الأدب الصيني والعربي. فمثلاً: استوحى روسو اعترفاته من الشرق، وكذلك لافونتين في أساطيره، وتسربت  أغراض القصص الشرقي إلى المسرح الفرنسي، فكتب لاساج مسرحيات عن: أبي بكر، والجنة ومكة، وقوافل الحج، وتأثر مونتسكيو بالثقافة العربية فجاء كتابه (الرسائل الفارسية) متأثراً بألف ليلة وليلة مشتملاً على نزعاتها وتعدد احتفالاتها، كما أخذ عن ابن خلدون بعض فلسفته الاجتماعية في كتابه (روح الشرائع)([28]).
15.         في المقابل: يرى بعض الباحثين أن مما يختص به المستشرقون الفرنسيون أنهم أشد المستشرقين تعصباً ضد الإسلام ورسوله محمد »؛ إذ من النادر أن تقرأ لمستشرق فرنسي شيئاً طيباً عن حياة رسول الله »، وحتى لو قال شيئاً حسناً فإنه يتحفظ في قوله تحفظاً بالغاً([29]).
16.         احتضنت فرنسا (كما مر سابقاً) أول ترجمة لمعاني القرآن الكريم، وظهرت فيها تسع ترجمات للقرآن الكريم([30]).








الفصل الثاني: نماذج من المستشرقين الفرنسيين


المبحث الأول: سلفستر دي ساسي
المبحث الثاني: غوستاف لوبون
المبحث الثالث: ليفي بروفنسال
المبحث الرابع: لويس ماسينيون
المبحث الخامس: مستشرقون آخرون

المبحث الأول: سلفستر دي ساسي


يعد هذا المستشرق من أهم المستشرقين الفرنسيين، وقد تتلمذ على يديه مشاهير المستشرقين من فرنسيين وألمان وبريطانيين.
        نشأته:
ولد في باريس عام 1758م، وفقد أباه وعمره سبع سنوات. بدأ دروسه في المنزل بدراسة الأدب اللاتيني واليوناني، ثم درس الديانة على يد أحد الآباء.
        تعليمه:
درس اللغة العربية والعبرية والفارسية والتركية، وأحسَنَ من اللغات الأوروبية: اللاتينية والألمانية والإسبانية والإيطالية والإنجليزية.
أعماله ومناصبه:
في عام 1778م عيّنه الملك عضواً في جمعية كنوز المخطوطات الشرقية في مكتبة باريس الوطنية، فوضع بحثين في تاريخ قدماء العرب وأصل آدابهم، وحقق أربعة كتب عربية عن فتح اليمن، وعلّق عليها وحلّ الكتابات الصعبة فيها. ولما بلغ الثانية والثلاثين من عمره كان في طليعة المستشرقين العالميين، ومن أعضاء مجمع الكتابات والآداب. وقد انتدب أستاذاً للعربية في مدرسة اللغات الشرقية، فكتب (التحفة السنية في علم العربية) بعد أن رجع إلى مدرستي الكوفة والبصرة اللغويتين. فطبع وترجم إلى لغات أوروبية عدة، وتهافت عليه المستشرقون. ثم عيّن أستاذاً للفارسية في معهد فرنسا. نال لقب بارون عام 1808م بأمر امبراطوري؛ لجهوده وخدماته. ألّف الجمعية الآسيوية، وأنشأ مجلتها ورأس تحريرها ست عشرة سنة. وعيّن مديراً لمدرسة ديوان فرنسا عام 1823م، ومديراً لمدرسة اللغات الشرقية عام 1833م.

مؤلفاته:
تلخيص كتاب الخطط للمقريزي.
جزء من كشف الممالك والأوزان والمكاييل الرسمية في الإسلام للمقريزي.
ترجمة تاريخ الساسانيين عن الفارسية لميرخوند.
أخرج جزئين من كتابه (ديانة الدروز)، وتوفي قبل أن يتم جزءه الثالث عام 1838م.
الأنيس المفيد للطالب المستفيد (مختارات من أدب العرب للهمذاني)
ترجمة البردة للبوصيري.
أصل الأدب الجاهلي عند العرب،
كليلة ودمنة (تحقيق). وغيرها الكثير من المختصرات والمترجمات والكتب التي كانت مرجعاً للدوائر الاستشراقية العالمية حتى اليوم([31]).
نظرة على هذا المستشرق:
يثني البعض على إنصاف دي ساسي تجاه المسلمين والعرب، كما يذكر بأنه السبب في جعل باريس مركزاً للدراسات العربية.
وفي المقابل: هناك من يرى أن دي ساسي بعيد عن الإنصاف، وليس إلا وجهاً للاستشراق الاستعماري في المنطقة، والأسباب الداعية لتبني هذا الرأي ما يلي:
1.   أنه أول مستشرق أوروبي في العصر الحديث يمثل الاستشراق كمؤسسة سياسية تعمل لخدمة الاستعمار الغربي وتثبيت أركانه في العالم الإسلامي؛ حيث كان حلقة الوصل بين الاستشراق والسياسة الفرنسية الخاصة بالمسلمين.
2.   وكان يستشار بانتظام من قبل وزارتي الخارجية والحربية الفرنسيتين.
3.   كما كان من مهامه أن يترجم نشرات الجيش الفرنسي للمسلمين. وقد قام فعلاً بترجمة الإعلان الفرنسي إلى الجزائريين باحتلال فرنسا للجزائر عام 1830م.
4.   وقد جمع كثيراً من المخطوطات العربية والإسلامية في باريس.
5.   وكان معجباً بالأدب اليهودي، حيث وصف الشعر العبري بأنه (شعر مقدس حقيقة)؛ بسبب ثقافته الأصلية التي تلقاها في الدير هي السبب في ذلك حيث كانت ثقافة لاهوتية عميقة تعتمد على العهدين القديم والجديد([32]).
ولعل تلك الأسباب تكفي لترجيح الرأي الثاني الذي يقول بعدم إنصاف هذا المستشرق للعرب والمسلمين؛ فإن دراسة اللغة العربية لا تكفي للحكم على شخص بالإنصاف. فأكثرهم يتعلمها ليخدم بها بلده عبر أي طريقة يستطيع بها خدمته. يقول دي ساسي: "إن دراسة الآثار الأولى للدين كانت الهدف الأول الذي دعا بعض العلماء إلى تكريس جهودهم للغة العبرية التي كتبت بها أقدم الوثائق من العصور الأولى للعالم... (إلى أن يقول): فلما دعيت إلى تدريس اللغة العربية في المدرسة الجديدة (مدرسة اللغات الشرقية الحية)، كان عليّ أن أكرس كل نفسي –بدافع الواجب- لعلم كنت حتى ذلك الوقن أشدوه عن تذوق"([33]).
أما خدمته للإستعمار الفرنسي فقد ذكرتها مراجع أخرى غير الكتاب الآنف الذكر([34]).



المبحث الثاني: غوستاف لوبون


حياته:
ولد في 7 مايو 1841م. وهو طبيب، ومؤرخ وفيلسوف مادي، عني بالحضارة الشرقية.. من علماء الاجتماع والتاريخ ، عرف في الأوساط الإسلامية بإنصافه للحضارة الإسلامية في كتابه حضارة العرب؛ ولذا ليس له قيمة علمية عند علماء الغرب. توفي عام 1931م([35]).
لفت نظره تقدم المسلمين في المنهج التجريبي، وبروزهم في علوم ومنتوجات حضارية كثيرة([36]). يقول:"إنـَّه كان للحضارة الإسلامية تأثير عظيم في العالم، وأنَّ هذا التأثير خاص بالعرب فلا تشاركهم فيـه الشُعـوب الكثيرة التي اعتنقت دينهم، والعرب هم الذين هذبوا بتأثيرهم الخلقي البرابرة الذين قضوا على دولة الرومان، والعرب هم الذين فتحوا لأوربا ما كانت تجهله من عالم المعـارف العلميـة، ولاسيما الكتب العلمية و الأدبية والفلسفية، فكانـوا مُمدنين لنا، وأئمة لنا ستة قرون- وظـلت ترجمات كتب العرب، ولاسيما الكُتب العلمية مصدراً وحيداً تقريباً للتدريس في جامعات أوربا خمسة قرون أو ستة قرون-وإذا كانت هناك أمة تُقر بِأنَّنا مدِينون لها بمعرفتِنا لعالم الزمن القديم فالعرب هم تلك الأمة.. فعلى العالم أنِ يعترف للعـرب بجميل صُنعهـم في إنقاذ تلك الكنوز الثمينة اعترافاً أبدياً"([37]).
مؤلفاته:
حضارة العرب: بحث في الدولة الإسلامية وأسباب عظمتها وانحطاطها.
حضارات الهند.
حضارة العرب في الأندلس([38]).
نظرة على هذا المستشرق:
يعترض بعض الباحثين على عدّ هذا المستشرق من المنصفين([39])، ويسوق لذلك أسباباً، منها:
1.   اختياره عنوان كتابه (حضارة العرب) وليس (حضارة الإسلام)؛ والهدف من ذلك إنكار رسالة الإسلام.
2. زعمه أن رسول الله » اختار قوانين الشريعة الإسلامية من نظم العرب في الجاهلية حيث يقول: "عرف [محمد »] كيف يختار من نظم العرب القديمة ما كان يبدو أقومها فدعمها بنفوذه الديني العظيم".
3. يقرر أن الشريعة الإسلامية قد جمعت كلمة العرب في الماضي ولكنها لم تعد ملائمة للعصر الحاضر، ولذلك يود لو تخلص العرب منها، يقول: "والعرب، بعد أن جاءهم رجل عظيم جمع كلمتهم المتفرقة بشريعته؛ لم يظهر منهم رجل عظيم آخر ليخرجهم من دائرة الشريعة"([40]).
ويبدو بعد هذا العرض أن كفة الإنصاف تميل لصالح هذا المستشرق؛ فإن هضم حقه من قبل أبناء عمومته، ونظرتهم المهينة له ترجح كفة إنصافه، أما عنوان كتابه، فليس فيه بيان نيته، فإنه جرت عادة الغرب (بل والمسلمين) على نسبة الحضارة للعرب لا للإسلام أو المسلمين، وليس ولا ينكر أثر غير المسلمين في بناء الحضارة الإسلامية إلا جاحد. أما كلامه في كتبه عن محمد فهو محتمل مجمل؛ خاصة لو وضع في الحسبان البيئة التي عاشها الغرب والدراسة التي تلقوها، والتي لا تفتأ تؤثر في أفكارهم ونظرتهم للأمور.


المبحث الثالث: ليفي بروفنسال


اشتهر هذا المستشرق بأبحاثه في تاريخ المسلمين في إسبانيا، وهذه سطور عنه:
حياته:
ولد في العاصمة الجزائر عام 1894م من أسرة يهودية، وتلقى تعليمه في ليسه قسنطينة في الجزائر. تخرج من كلية الآداب في جامعة الجزائر، واشترك في الحرب عام 1914م، وجرح. فعاد إلى فرنسا فالمغرب ضابطاً في الشئون الإسلامية. وبعد سنوات توسع اهتمامه بمراكش ليشمل إسبانيا الإسلامية؛ حيث لا يمكن الفصل بين تاريخ المغرب وتاريخ إسبانيا الإسلامية. استطاع بدهائه إخفاء مشاعر اليهودية على الرغم من تورطه بالإساءة للإسلام والنفور من مجتمع المسلمين، مما حقق له شهرة في مجتمعه وبين قومه. كما ظهر دهاؤه في تأييد ثورة الجزائر في سنواتها الأولى رغم وجهته الاستعمارية والفكرية.
مناصبه وأعماله:
بعد اختياره ضابطاً في المغرب انتدب عام 1919م للعمل أستاذاً في معهد الدراسات العليا المغربية في الرباط، ثم مديراً له.
في عام 1935م عيّن أستاذاً للتاريخ الإسلامي في كلية الآداب بجامعة الجزائر.
أعفي من القوانين التي صدرت ضد اليهود -بعد قيام الحرب العالمية الثانية- وعيّن أستاذاً في كلية الآداب بجامعة تولوز في عام 1945م.
أسس مجلة أرابيكا، التي أصبحت أهم مجلة فرنسية متخصصة في الآداب العربية والعلوم الإسلامية. ولا تزال تصدر حتى اليوم.
عيّن أستاذاً للدراسات العربية في كلية الآداب (السوربون) بجامعة باريس وستمر في منصبه حتى وفاته عام 1956م([41]).
مؤلفاته:
تاريخ إسبانيا الإسلامية: صدر منه ثلاثة مجلدات.
وثائق غير منشورة عن تاريخ الموحدين
المخطوطات العربية في الاسكوريـال.
نقوش عربية في إسبانيا.
إسبانيا الإسلامية في القرن العاشر الميلادي: النظم والحياة الاجتماعية. وغيرها من الكتب والترجمات والبحوث في التاريخ والأندلسيات والأنساب([42]).
نظرة على هذا المستشرق:
لا تكاد تختلف المصادر في كون بروفنسال من خدم الاستعمار المخلصين، وجنوده البارزين، حيث ساهم تعليمياً في التدريس في الجامعات الاستشراقية الفرنسية أو التابعة لفرنسا، كما ساهم عسكرياً في الجيش الفرنسي. وساهم أيضاً فكرياً بتأليف مجموعة من الكتب والبحوث كان لها أثرها في مدّ الاستعمار الفرنسي بما يحتاجه من معلومات وخبرات. وأسس مجلة أرابيكا التي تخصصت في الدراسات الاستشراقية.
ولم تكن يهوديته عاملاً مثبطاً له (رغم كراهية الشعوب والحكومات الأوروبية لليهود في ذلك الوقت)، بل إنه استثمر أعماله وعلاقاته في التملص من العقوبات التي أوقعت على إخوته اليهود([43]).


هو أحد دعائم الاستشراق (وخاصة ما يتعلق بالتصوف الإسلامي)..
حياته:
ولد لويس ماسينيون عام 1883م، في إحدى ضواحي باريس لأب فنان في نحت التماثيل. نشأ نشأة عقلية فنية. درس الثانوية في ليسه، ثم قام برحلة إلى الجزائر، تخرج من كلية الآداب عام 1902م، وحصل أيضاً على دبلوم الدراسات العليا، واشترك في مؤتمر المستشرقين في الجزائر عام 1905م وفيه تعرف على جولد زيهر وسنوك هرجرونيه فأصبحوا أحب أساتذته إليه. نال أيضاً دبلوم اللغة العربية من المدرسة الوطنية للغات الشرقية الحية، طاف بالبلاد الإسلامية كالحجاز والقاهرة والقدس وبغداد، وأقام في القدس وبيروت وحلب ودمشق والآستانة. ثم رجع إلى باريس عام 1919م. حصل على الدكتوراه برسالته عن آلام الحلاج من السوربون عام 1922م. كان موغلاً في الروحانية نتيجة اشتغاله المتواصل بفهم أسرار الصوفية. توفي عام 1962م.
مناصبه وأعماله:
انتدبته الجامعة المصرية أستاذاً لتاريخ الفلسفة عام 1912م.
عيّن معيداً ثم أستاذاً في كرسي الاجتماع الإسلامي في معهد فرنسا عام 1919م.
عيّن مديراً للدراسات في المدرسة العملية العليا حتى تقاعده عام 1954م.
تولى تحرير مجلة العالم الإسلامي عام 1919م، ثم مجلة الدراسات الإسلامية التي حلت محلها عام 1927م، وتقويم العالم الإسلامي -التابع لها-.
انتخب عضواً في مجامع علمية عدة، منها: الجمعية الآسيوية، والمجمع اللغوي بمصر، والمجمع العلمي العربي في دمشق.
التحق بوزارة الخارجية ضابطاً ملحقاً بمكتب المندوب السامي بسوريا تحت قيادة أللنبي.
مؤلفاته:
ترك ماسينيون مئات من الكتب والبحوث والرسائل والمقالات، منها:
جغرافية المغرب.
بعثة إلى ما بين النهرين: قصر الأخيضر والطبوغرافية التاريخية لبغداد.
الحلاج والشيطان في نظر الزيدية.
آلام الحلاج ومذهب الحلاجية.
أربعة نصوص متعلقة بالحلاج.
الفولكلور لدى المتصوفين المسلمين.
الأولياء المسلمون المدفونون في بغداد.
الكنيسة الكاثوليكية والإسلام.
المسيح في الأناجيل على حسب الغزالي.
بحوث عن الشيعة المتطرفة في بغداد في أواخر القرن الثالث للهجرة. وغيرها كثير([44]).
نظرة على هذا المستشرق:
تميزت شخصيته بالسياسة: إذ هو مستشار وزارة المستعمرات الفرنسية في شئون شمال أفريقيا. وبالجامعية: حيث حاضر ودرّس في الكليات وغيرها. وبالمجمعية: فهو عضو في جمعيات ومجامع علمية ولغوية. وبالعسكرية: حيث خدم في الجيش الفرنسي.
ومع تعدد تلك الأدوار إلا أنه غلب عليه الطابع التنصيري فهو الراعي الروحي للجمعيات التبشيرية الفرنسية في مصر، وقد وضع اتجاهه التنصيري في خدمة السياسة الاستعمارية الفرنسية آنذاك. أما تصوفه وفلسفته فهما موظفان للنشاط التنصيري السياسي الظاهر والخفي؛ وربما كان إيمانه القوي بكاثوليكيته قد قوّى في نفسه النزعة الباطنية، وأضفى الروحية في حياته وأعماله([45]).

المبحث الخامس: مستشرقون آخرون


لم ينته نشاط المستشرقين الفرنسيين، ولم يكتفوا بما سطرته أنامل أساطينهم القدامى والمحدثون، بل هناك العشرات إن لم يكن مئات لم يذكرهم هذا البحث المتواضع، فاكتفيت بتعداد أسمائهم ممن لم تشملهم المباحث السابقة، واكتفيت بذكر الأسماء فقط (لقلة المصادر، وضيق الوقت، وصغر حجم البحث)، فمنهم -على سبيل المثال لا الحصر-:
1.   ألفريد بل.
2.   جي آرثور.
3.   بولياك.
4.   الأسقف ديفريس.
5.   فيفريه.
6.   كور.
7.   ريكار.
8.   إيكوشار.
9.   ايفر.
10. كليرجه.
11. بروست.
12. وليم مارسه.
13. كامرير.
14. جورج مارسه.
15. جرانشان.
16. بلانشار.
17. بلليو.
18. ايبر سول.
19. فيفره.
20. ليفير.
21. ديني جان.
22. بوانسو.
23. مرسيه.
24. أوتران.
25. هالفن.
26. رينو.
27. جودار.
28. بول مارتي.
29. إميل أمار.
30. دوين.
31. مونيه.
32. بيرك.
33. جيلسون.
34. مارشل كوهين.
35. جروسه.
36. فوره.
37. هنري ماسه.
38. سيدس.
39. كاره.
40. جاستون فييت.
41. دي سينفال.
42. هنري برونو.
43. جرول.
44. كانار.
45. أوكتاف بل.
46. ليون جوتيه.
47. ليون بيرشيه.
48. بيريس.
49. مايار.
50. جان جوين.
51. لوبينياك.
52. رينيه جيستون.
53. مونتان.
54. ليسكي.
55. جابرييل كولين
56. بلاشير.
57. ميكيل.
58. هنري لاووست.
59. جاك بيرك.
60. شارل كونتز.
61. أندريه رايمون.
62. دومينيك سورديل([46]).
63. الفونس اتيين دينيه (ناصر الدين دينيه).
64. روجيه جارودي.
65. موريس بوكاي([47]). (والثلاثة الأخيرون أسلموا).


الخاتمة


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فبعد أن منّ الله علي بإتمام هذا البحث يطيب لي أن أعدد بعض النتائج، وهي على النحو التالي:
1.   يعني الاستشراق التوجه للشرق بدراسة علومه ولغاته وأديانه ومذاهبه وتاريخه وجغرافيته وحضارته (وخاصة ما يتعلق بالإسلام واللغة العربية).
2.   نشأ الاستشراق بعد أن شعر الغرب بعجزه عن مواجهة المسلمين عسكرياً، في عهد الفتوح الإسلامية، ثم انحسار الحملات الصليبية دون حصولهم على النتيجة المطلوبة.
3.   تنوعت أهداف مؤسسات الاستشراق والمستشرقين عموماً تبعاً لأديانهم، وطموحاتهم الشخصية: بين الأهداف العلمية والمالية والدينية والسياسية الاستعمارية. إلا أن الهدفين الديني والاستعماري غلبا على سائر الأهداف. وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﴾ [البقرة:120].
4.   فرنسا دولة رائدة نشأ فيها الاستشراق قديماً، ثم دعمته حكوماتها بالمال والرجال والمشورة. والهدف: تسهيل السيطرة على الدول المستهدفة، وخاصة إبّان عهود الاستعمار.
5.   خدم الاستشراق الفرنسي الاستعمار والسياسة الفرنسية، وكان المستشرقون الفرنسيون في طليعة موظفي الدولة العسكريين والسياسيين.
6.   انحسر الاستشراق الفرنسي تبعاً لانحسار النفوذ العسكري الاستعماري لفرنسا. وإن كانت بعض النشاطات والمؤسسات الاستشراقية ما زالت تقوم بدورها المنوط بها.
7.   هناك من المستشرقين من درس العلوم الإسلامية بتجرد ودون أحكام مسبقة، أو توجيه معين (أي كان هدفه علمياً خالصاً)، وهؤلاء كانوا أكثر إنصافاً وأقل تشويهاً للإسلام، والمسلمين من غيرهم، بل دخل بعضهم الإسلام، فحاربه القوم وعادوه.
هذا وأسأل الله عز وجل الذي أعانني على كتابة هذا البحث أن يكون خالصاً صواباً، مفيداً لمن كتبه وقرأه.. آمين.

المراجع


أولا: المراجع المكتوبة:
1.    أجنحة المكر الثلاثة وخوافيها التبشير، الاستشراق، الاستعمار. د. عبد الرحمن حسن الميداني. (دمشق: دار القلم). الطبعة السابعة: 1414هـ-1994م.
2.    الاستشراق. إدوارد سعيد. ترجمة: كمال أبو ديب. (بيروت:مؤسسة الأبحاث العربية). ط3 :1991.
3.     لاستشراق الفرنسي والأدب العربي. د. أحمد درويش. (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب). ط1997م.
4.     الاستشراق أهدافه ووسائله. د. محمد فتح الله الزيادي. (دمشق: دار قتيبة). الطبعة 2 :2002م.
5.     الاستشراق بين الإنصاف والإجحاف.عبد الله العليان.(الدار البيضاء:المركز الثقافي العربي).ط1: 2003.
6.     الاستشراق قراءة نقدية. د. صلاح الجابري. (دمشق: دار الأوائل). ط1: 2009م.
7.    الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري. د. محمود حمدي زقزوق. (القاهرة: دار المنار للطباعة والنشر). ط2: 1409ه-1989م.
8.    الاستشراق وجه للاستعمار الفكري. د. عبد المتعال محمد الجبري. (القاهرة: مكتبة وهبة). الطبعة الأولى: 1416هـ -1995م.
9.    الاستشراق والمستشرقون. د. مصطفي السباعي. (بيروت: المكتب الإسلامي). ط2: 1399ه.
10 . الإسلام بعيون مسيحية. لطفي حداد. (بيروت: الدار العربية للعلوم). الطبعة الأولى: 1425هـ-2004م.
11 الرسول » في كتابات المستشرقين. نذير حمدان. (جدة: دار المنارة). ط2: 1406ه-1986م.
12 . القاموس المحيط. محمد بن يعقوب الفيروز آبادي. (بيروت: دار الرسالة). تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة. ط4: 1415هـ-1994م.
13 . المستشرقون. نجيب العقيقي. (القاهرة: دار المعارف). بدون تاريخ نشر.
14 . مستشرقون سياسيون جامعيون مجمعيون. نذير حمدان. (الطائف: مكتبة الصديق). ط1: 1408ه-1988.
15 . المستشرقون والدراسات الإسلامية. محمد عبد الله مليباري. (الرياض: دار الرفاعي). ط1: 1410ه-1990.
16 . المستشرقون والقرآن الكريم. د. محمد أمين حسن محمد بني عامر. (اربد: دار الأمل). الطبعة الأولى: 2004م.
17 . المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي. أحمد بن محمد بن علي الفيومي المقري. (بيروت: المكتبة العلمية) بدون تاريخ نشر.
18 . مناهج البحث لدى المستشرقين وعلماء الغرب. محمد البشير مغلي. (الرياض: مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية). ط1: 1422ه-2002م.
19 . الموسوعة العربية العالمية. (الرياض: مؤسسة أعمال الموسوعة). ط1. بدون تاريخ نشر.
20 . موسوعة المستشرقين. د. عبد الرحمن بدوي. (بيروت: دار العلم للملايين). ط3: 1993.
21 . الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة. إشراف ومراجعة: د. مانع الجهني. (الرياض: دار الندوة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع). ط4: 1420ه.
22 . نبوة محمد في الفكر الاستشراقي المعاصر د. لخضر شايب. (الرياض: مكتبة العبيكان). الطبعة الأولى: 1422هـ -2002م. ص27 وما بعدها.

ثانياً: المراجع الإلكترونية:
1.    الاستشراق الفرنسي والترجمة في الجزائر. حمود عبد الكريم. منتدى المنشاوي للدراسات والبحوث (http://www.minshawi.com/vb)
2.   الموسوعة الحرة ويكيبيديا (http://ar.wikipedia.org).

 

فهرس الموضوعات


Contents




([1]) الانثربولوجيا والاستعمار، جيرار لكلرك ص38، نقلاً عن: الاستشراق قراءة نقدية، د. صلاح الجابري، (دمشق: دار الأوائل)، ط1: 2009م، ص23.
([2]) انظر: الاستشراق أهدافه ووسائله، د. محمد فتح الله الزيادي، (دمشق: دار قتيبة)، الطبعة 2 :2002م، ص17.
([3]) انظر: القاموس المحيط، مادة (ش ر ق)، ص1158؛ والمصباح المنير، مادة (ش ر ق)، 1 /310-311.
([4]) انظر: الاستشراق أهدافه ووسائله، ص16 وما بعدها.
([5]) الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، 2/687.
([6]) انظر: المستشرقون والقرآن الكريم، د. محمد أمين حسن محمد بني عامر، (اربد: دار الأمل)، الطبعة الأولى: 2004م، ص11 وما بعدها؛ ونبوة محمد في الفكر الاستشراقي المعاصر د. لخضر شايب، (الرياض: مكتبة العبيكان)، الطبعة الأولى: 1422هـ -2002م، ص27 وما بعدها.
([7]) انظر: الاستشراق وجه للاستعمار الفكري، د. عبد المتعال محمد الجبري، (القاهرة: مكتبة وهبة)، الطبعة الأولى: 1416هـ -1995م، ص16 وما بعدها.
([8]) انظر: الاستشراق والمستشرقون، د. مصطفي السباعي، (بيروت: المكتب الإسلامي)، ط2: 1399ه، ص19.
([9]) انظر: المستشرقون والقرآن الكريم، ص31 وما بعدها.
([10]) ولا أدل على ذلك من المستشرق الهولندي: سنوك هرخونيه، الذي زار مكة وأقام في الجزيرة العربية ستة أشهر تحت اسم مستعار (عبد الغفار)، ونال الدكتوراه لرسالته (موسم الحج في مكة)، وكان عوناً للاستعمار الهولندي في إندونيسيا. (انظر: الإسلام بعيون مسيحية، لطفي حداد، (بيروت: الدار العربية للعلوم)، الطبعة الأولى: 1425هـ-2004م، ص202؛ والمستشرقون والقرآن الكريم، ص33 وما بعدها).
([11]) انظر في هذه الدوافع: الموسوعة العربية العالمية، 1/712-713؛ وأجنحة المكر الثلاثة وخوافيها التبشير-الاستشراق-الاستعمار، د. عبد الرحمن الميداني. (دمشق: دار القلم). الطبعة السابعة: 1414هـ-1994م، ص125وما بعدها؛ و والمستشرقون والدراسات الإسلامية، محمد عبد الله مليباري، (الرياض: دار الرفاعي)، ط1: 1410ه-1990، ص38 وما بعدها.
([12]) انظر: المستشرقون، نجيب العقيقي، (القاهرة: دار المعارف)، بدون تاريخ نشر، 1/ 138.
([13]) انظر:الاستشراق بين الإنصاف والإجحاف،عبد الله العليان،(الدار البيضاء:المركز الثقافي العربي)،ط1: 2003،ص78
([14]) انظر: رؤية إسلامية للاستشراق، ص32-33.
([15]) انظر: الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري، د. محمود حمدي زقزوق، (القاهرة: دار المنار للطباعة والنشر)، ط2: 1409ه-1989م، ص27.
([16]) انظر: المستشرقون، 1/138 وما بعدها.
([17]) انظر: المستشرقون، 1/141؛ والاستشراق، إدوارد سعيد، ترجمة: كمال أبو ديب، (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية)، ط3 :1991، ص113.
([18]) انظر: المستشرقون، 1/142-143.
([19]) انظر: المستشرقون، 1/144.
([20]) انظر: المستشرقون، 1/144-145.
([21]) انظر: المستشرقون، 1/145-146.
([22]) انظر: المستشرقون، 1/146.
([23]) انظر: الاستشراق أهدافه ووسائله، ص25.
([24]) انظر: رؤية إسلامية للاستشراق، ص44.
([25]) انظر: المستشرقون، 1/146 وما بعدها.
([26]) انظر: المستشرقون، 1/151 وما بعدها.
([27]) انظر: الاستشراق أهدافه ووسائله، ص85 وما بعدها.
([28]) انظر: المستشرقون، 1/156-157.
([29]) انظر: الرسول » في كتابات المستشرقين، نذير حمدان، (جدة: دار المنارة)، ط2: 1406ه-1986م، ص37.
([30]) انظر: الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري، ص78.
([31]) انظر: المستشرقون، 1/162 وما بعدها. وموسوعة المستشرقين، د. عبد الرحمن بدوي، (بيروت: دار العلم للملايين)، ط3: 1993، ص334 وما بعدها.
([32]) انظر: رؤية إسلامية للاستشراق، ص107-108.
([33]) نقلاً عن: موسوعة المستشرقين، ص334-335.
([34]) انظر مثلاً: مستشرقون سياسيون جامعيون مجمعيون، نذير حمدان، (الطائف: مكتبة الصديق)، ط1: 1408ه-1988، ص60، حيث ذكر من أعماله: مراقب ملكي، ومكلف بمهمة رسمية عام 1805.
([35]) انظر: مناهج البحث لدى المستشرقين وعلماء الغرب، محمد البشير مغلي، (الرياض: مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية)، ط1: 1422ه-2002م، هامش ص71؛ والمستشرقون 1/202؛ والموسوعة الحرة ويكيبيديا (http://ar.wikipedia.org).
([36]) انظر: مناهج البحث لدى المستشرقين وعلماء الغرب، ص409.
([37]) نقلاً عن: الاستشراق الفرنسي والترجمة في الجزائر، حمود عبد الكريم، منتدى المنشاوي للدراسات والبحوث (http://www.minshawi.com/vb)
([38]) انظر: المستشرقون 1/202.
([39]) انظر: الموسوعة الميسرة 2/ 689؛ والموسوعة الحرة ويكيبيديا.
([40]) انظر: رؤية إسلامية للاستشراق، ص128-129، والنصان منقولان من كتاب غوستاف لوبون حضارة العرب، ترجمة عادل زعيتر، ص384 وص394.
([41]) انظر في ترجمته: المستشرقون 1/293 وما بعدها؛ والموسوعة المستشرقين، ص521 وما بعدها؛ ومستشرقون سياسيون جامعيون مجمعيون، ص103 وما بعدها.
([42]) انظر: موسوعة المستشرقين ص521-522.
([43]) انظر: مستشرقون سياسيون جانعيون مجمعيون، ص 103 وما بعدها.
([44]) انظر في ترجمة ماسينيون: المستشرقون 1/263 وما بعدها. وموسوعة المستشرقين ص529 وما بعدها.
([45]) انظر: مستشرقون سياسيون جامعيون مجمعيون، ص194 وما بعدها.
([46]) انظر في ذلك: المستشرقون 1/158 وما بعدها. ومستشرقون سياسيون جامعيون مجمعيون، ص55 وما بعدها، وص120 وما بعدها، وص162 وما بعدها، وص212 وما بعدها؛ والاستشراق الفرنسي والأدب العربي، د. أحمد درويش، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب)، ط1997م، ص16-17.
([47]) انظر: الموسوعة الحرة ويكيبيديا.

الجمعة، 27 أكتوبر 2017

الخيال


الخيال الشعري
لطلاب الثانية ماستر (نقد أدبي)

رابط كتاب ( الخيال الشعري عند العرب) لأبي القاسم الشابي .

https://www.diwanalarab.com/IMG/pdf/_-27.pdf

رابط بحث بعنوان (طبيعة الخيال الشعري وظوابطه بين التراث والحداثة) د. بتول أحمد جندية

http://www.alukah.net/library/0/96051/

السبت، 7 أكتوبر 2017

الشاعر منتميا وملتزما

الشاعر منتميا وملتزما

 د- رمضان حينوني
المركز الجامعي لتامنغست/ الجزائر


مذ ربط الإنسان القديم الشعر بالجن، كان في حقيقة الأمر يعبر عن اختلاف الشاعر عن غيره من البشر، ذلك الاختلاف الذي يضعه في عالم معنوي قائم بذاته ينجم عنه نظم كلام يحتاج إلى معرفة وإدراك وخبرة لفك شفراته وفهم أبعاده، فبدا الشاعر وكأنه إنسان فوق البشر من حيث قوة البيان والقدرة على تأليف المعاني والصور تفوق تلك التي يملكها عامة الناس، ومن ثم نظر للشاعر على أنه إنسان من طينة مميزة، ونظر هو إلى الآخرين على أنهم لا يرتفعون دائما إلى مستوى فهم ما يريد.
ويشترك الشاعر– إلى حد ما- مع المثقف النخبوي في هذه الوضعية، من حيث علاقته بالآخرين، وإن كان الشاعر مطالبا بالإبداع أكثر من المثقف، وإنتاجه ليس واعيا دائما أو ليس مرتبطا بعالم الحقيقة في كل حال، ومن هنا كان الأديب أكثر قدرة على التأثر بأحداث المجتمع وتقلباته، وأكثر قدرة على مواجهة ما تأتي به تلك التقلبات من فوائد أو مضار، مع اختلاف في درجة ذلك بين أديب وآخر.
والأديب إذ ينطلق من ذاته في رؤيته للعالم المحيط به، فإن عوامل كثيرة تتدخل في تشكيل تلك الرؤية ومستقبلها، من ذلك تكوينه النفسي والثقافي، والتجربة الحياتية التي تنميها جملة من العوامل الاجتماعية والدينية والسياسية، فتبلورها في مجموعة سلوكات ومبادئ تترجم إبداعا، يخلص فيه تارة للجماعة على حساب ذاته، وتارة يعطي ذاته الأولوية وإن حدث الصدام بينه وبين الجماعة التي ينتمي إليها، والتي تريده صوتها وصورتها في مقابل الآخرين، دون أن تتفهم خصوصياته وأبعاد تفكيره التي مهما تكن علاقته بالجماعة، فإن لها تميزها واستقلاليتها اللذين يرسمان اتجاهها في التعبير، ورؤيتها للأمور المتعلقة بالإنسان ومحيطه الاجتماعي.
والأدباء كغيرهم من النماذج البشرية لا يتعاملون مع الواقع المفروض أو الانتماء القسري بدرجات متساوية، ذلك أن" بعضهم يستكين إلى تلك الظروف والانتماءات، وبعضهم يرى في جوانب منها ما يعوق تقدّمه، فيبحث عن الخلاص بتصور الحلّ، وإقرانه بالعمل اللازم لإزاحة ما يعوق التقدم، وفي أثناء ذلك يحدث الجدل، فيكون حاداً بالصراع أو هادئاً بالحوار، وفي كلتا الحالتين تظهر إرادة الإنسان القادر على التدخل في سير الظروف، مسلّحاً بالمعرفة البسيطة أو العميقة للقوانين التي تحكم الطبيعة والوجود الإنساني معاً" (1). وفي كل حال من هذه الأحوال يسعى الأديب إلى تبرير اتجاهه، والدفاع عن موقفه في وجه الانتقادات التي يتعرض إليها من ذوي الاتجاهات الأخرى.
من هنا تطرح قضية الانتماء والالتزام عند حديثنا عن موقف الأدباء مما يحدث في محيطهم العام متعدد الأوجه، ذلك الموقف الذي يتعرض لكثير من الضغوط الخارجة عن نطاق الذات، فيحاول الأديب التكيف مع الواقع آخذا بعين الاعتبار منطق الربح والخسارة، سواء على المستوى الشخصي أو المستوى الاجتماعي. غير أن المسألة غاية في الصعوبة خاصة في أزمنة الأزمات التي تعصف بالمجتمع، أين يجد نفسه بين مطرقة مبادئه التي تربى عليها أو التي اكتسبها عبر ثقافة تراكمية، وبين سندان التوجهات السياسية والاجتماعية التي تدعوه إلى اتخاذ موقف معين، أو أكثر من ذلك تدعوه إلى الدفاع عن وجهات نظر السلطة التي يحتمي بها، سواء كانت سياسية أو دينية أو اجتماعية، حتى وإن كانت درجة الاقتناع بالمهمة المنوطة به أحيانا ضعيفة.
غير أن هذا الانتماء لا ينتفي بالضرورة إذا عارض الفرد رغبات الجماعة أو توجهاتها، بل هو قابل لأن يكون انتماء شكليا في مقابل الانتماء الجوهري الذي يرتقي إلى مرتبة الولاء، كما يرى الدكتور فرج عبد القادر طه، إذ إن " الفرد قد يكون عضواً في جماعة، ومحسوباً عليها إلاّ أنه لا يرتضي معاييرها، ولا يتوحد بها، ولا يشاركها ميولها واهتماماتها، فهو ينتمي إليها شكلاً، وليس قلباً، وفي هذه الحالة يصبح منتمياً إلى هذه الجماعة بينما يكون ولاؤه... لجماعة أخرى أو لزعيم آخر أو لمبدأ مغاير للجماعة المنتمي إليها"(2) . ولا يصل الأمر إلى هذه الدرجة عادة إلا حينما يتعرض الأديب إلى الاضطهاد الذي لا يلجأ فيه فقط " إلى أساليب العنف الظاهر بل إلى أساليب دقيقة جدا تهدف إلى عزل الكاتب وتهديم شخصيته وإسكاته"(3)
أما الحلقة الوسط بين الولاء والانتماء الشكلي فقد يكون ما يمكن تسميته بالولاء الواعي، ذلك الذي تتسع فيه دائرة الالتزام " بحيث تترك للكاتب الحق والحرية في تحديد قضايا المجتمع المهمة من زاويته الخاصة"(4) ، حتى وإن كانت متفقة أحيانا وتوجهات السلطة ومؤسساتها؛ ذلك أن المثقف بوجه عام- ومهما كانت علاقته بالسلطة - ليس مسخرا ليكون معارضا أبديا لها ولا بوقا يوصل صوتها، فقد يلتقي طرحه مع طرحها حينا من الدهر، ولكنه لا يستمر على ذلك طويلا نتيجة للتغيرات والتقلبات التي تعتري السلطة، ويمكن اعتبار مثل هذه العلاقة بين هذين الطرفين امتحانا حاسما لمدى استقلالية المثقف ونزاهة توجهه.
والاضطراب في الانتماء ليس سمة سلبية بالضرورة؛ بل قد يعد بحثا عن الحرية أو التحرر من المعيقات التي تحول دون اطمئنان الفرد إلى الوسط الذي يعيش فيه، ونذهب في هذا مع الدكتور فاروق أحمد اسليم الذي يرى" أن تنوع الانتماء هو نتاج جدل الإنسان، وهو يبحث عن الوسائل التي ترقى به نحو التحرر، والانفلات من الظروف التي تعوق تطوره"(5) ، ويدل ذلك على الدور الذي يلعبه وعي الفرد، والمثقف على وجه الخصوص، في توجيه الانتماء بأشكاله المتعددة قبليا أو سياسيا أو فكريا.
أما خارج هذه الأشكال من الانتماءات، فنجد الأديب اللامنتمي الذي لا يجد طريقا إلى لعب دور حقيقي له في الحياة العامة يعبر عن إرادته، ويعبر عن وجوده ككائن مستقل، وخصوصا في العالم الصناعي الذي شيأ الإنسان وحوّله إلى مجرّد آلة، فاغترب عن نفسه وعن مجتمعه، وأصبح كبطل رواية هنري باربوس (الجحيم) لا يجد" طريقا هنالك إلى الخارج أو إلى ما حول أو إلى الداخل "(6).
ورغم أن الصورة التي رسمها كولن ولسن للإنسان اللامنتمي لا تنطبق بالضرورة على كل النماذج اللامنتمية، لاختلاف البيئات والمنطلقات الفكرية، إلا أنها تعبر من زاوية معينة عن طبيعة هذا النموذج الذي " يدرك ما تنهض به الحياة الإنسانية من أساس واه، والذي يشعر أن الاضطراب والفوضوية هما أعمق تجذرا من النظام الذي يؤمن به قومه"(7) وهو بالتالي يرفض أن يكون في منظومة اجتماعية لا يرى أنها تحقق أناه الحقيقية، فهو دائم البحث عن ذاته وعالمه، ولهذا يعيش شقاء يقربه في نظر الآخرين إلى المجنون، مثل ما حدث لـ(فان كوخ) الذي انتهى به المطاف إلى الانتحار.
وفي كل هذه الحالات المرصودة المتعلقة بالانتماء واللاانتماء، لا نجد الفرد في كامل الاطمئنان إلى علاقته مع الآخرين، فمهما تنازل عن بعض قيمه ليتأقلم فهو يظل مدركا لخلل نسبي تتفاوت درجته في تلك العلاقة، وذلك أمر طبيعي إذا علمنا أن الذات لا ترتبط بالقوانين والضوابط التي نجدها في المجتمع، وعليه فإن الحرية التي تريدها الذات لا بد أن تواجهها معوقات يفرضها النظام المسير للجماعة الإنسانية، فينجم عن ذلك عدم التطابق بين الطرفين يتمظهر في شكل ما من أشكال التعبير الانتقادي لدى الأدباء، كما لدى غيرهم ممن يستخدمون المنابر التعبيرية المختلفة.
وبناء على ما سبق، نجد عبر التاريخ العربي والإنساني نماذج متباينة لشعراء اتخذوا مواقف معينة مما يجري في محيطهم المضطرب تحت وطأة الأعراف والقوانين، أو تحت وقع القلاقل والحروب والفتن وغيرها، مع ما يترتب عن ذلك من ثمن يدفعه الأديب، أو مغنم يحظى به مقابل ذلك، بصرف النظر عما إذا كان المغرم والمغنم مقصودين أم لا.
لنأخذ نموذجين واضحين من العصر الجاهلي على سبيل المثال، نموذج المخلصين للقبيلة كدريد بن الصمة، وغيره، والشعراء الصعاليك المتمردين عليها، والخارج عن ولائها إلى قوم سواها؛ فدريد شاعر القبيلة بامتياز، وبيته الشهير الوارد في مرثيته لأخيه يستشهد به في هذا المجال إذ يقول:
وما أنا إلا من غزية إن غوت *** غويت وإن ترشد غزية أرشد
وهو تلخيص لمعنى أعم عبرت عنه الأبيات السابقة له، فقد أشار على قومه برأي بخصوص الغزاة القادمين كـ(جراد يباري وجه الريح)، ولكنهم رأوا غير ما رأى، أو أنهم أدركوا صواب رأيه متأخرين، ورغم عصيانهم اعتبر نفسه منهم وأنه غير مهتد(8).

والملاحظ أن أغلب الشعراء الفرسان الذين كانوا عماد قبائلهم عرفوا بهذا الولاء، وقد تكون الثقة التي حظوا بها، والاحترام الذي يجدونه من أفرادها، والمسؤولية التي يشعرون أنها ملقاة على عواتقهم، كل ذلك شجعهم على إخفاء أناهم أو إذابتها في الجماعة، تحت عنوان كبير هو التضحية في سبيل الجماعة. والتضحية في ذاتها لا تكون إلا بالتنازل عن بعض ما يريده الشاعر، وإن كان نفيسا غاليا مثل النفس ذاتها. وقد يكون نظام القبيلة الصارم والمطالب بتلك التضحية في مقابل الحماية والمكانة هو مصدر إجبار على ذلك الولاء، فالولاء عندئد لا يعدو أن يكون إذعانا وخضوعا لقوة قاهرة تملك وسائل ردعها لكل مخالف أو رافض لنظمها، ممثلا في الخلع وهو" أعلى درجات النفي الفردي، حفاظا على المصلحة العليا للقبيلة والتزاماتها الأخلاقية ضمن توازن القوة في المجتمع القبلي"(9).
غير أنه، وفي ظل العصبية القبلية– في حال الشاعر الجاهلي- وما ينجم عنها من مظاهر الاضطراب والقلق، قد يرتقى الوعي الإنساني لدى الشاعر ليكون عامل توازن في هذا الانتماء،" فالجدل بين العصبية إلى الدم والوعي الفردي الذي يحمل مضمونا أخلاقيا، جعل ذات الشاعر الجاهلي أكثر تجذرا في إنسانيتها، وأشد حساسية في نشدانها لمثل أعلى، يخلق لديها نوعا من التوازن في عالم كاد أن يكون مستغلقا بسبب الصراعات عن الحمى"(10).
أما النموذج الثاني فتمثله تجربة فئة الشعراء الصعاليك الحاضرة في الأذهان؛ بفئاتها المختلفة (11)، التي خرجت لا شك عن المبدأ الذي رسخته القبيلة، فأعلنت رفضها الخضوع الذي يؤدي إلى ذوبان الفرد في الجماعة، وشقت لنفسها طريقا آخر فكريا واجتماعيا، أساسه النقمة والثورة على الأغنياء والأشحاء الذين تجمعت في أيديهم الثروة، في مقابل الفقر الذي يمس شرائح واسعة من المجتمع.
وإذا كانت دراسات كثيرة تذهب إلى أن ظاهرة الصعلكة ظاهرة اقتصادية، فإنه ليس من الصواب حصرها في الفوارق الطبقية بين الأشراف والعبيد في القبيلة، بل إنها نتاج تأمل فكري أوصل فئة من أفراد القبيلة إلى الخروج عن الإطار المسطر لها، وخصوصا عند ضحايا الخلع وهم من الطبقة العليا. وبالتالي فإن مسألة التحرر من قيود الآخر قد تكون سببا أكبر في الميل إلى هذا السلوك، فالقوانين التي كانت تحكم القبيلة عرفية صاغها الأقوى وصاحب المصالح، حتى وإن كانت في بعض جوانبها إيجابية، ولم يكن الضعيف في كل حال قادرا على الصبر عليها أو ليرضى بأن تكون دستور حياته، لهذا وجدنا الصعاليك بالذات يتخذون لأنفسهم طرقا لتحدى تلك الظروف الصعبة، من أجل البقاء أولا ومن أجل محاربة الواقع المفروض ومحاولة تغييره.
ومن هنا كانت ظاهرة الصعلكة حركة تمرد وثورة اتخذت في بعض حالاتها طابعا إصلاحيا كما هي عند عروة بن الورد وغيره، لكن الذي يهمنا من ذلك هو أن الشاعر الصعلوك لم ينزو في عالمه الخاص يمارس مهنته بصمت بل جسد لنا أفعاله ورؤاه شعرا، وقدم لنا موقفه من القبيلة أو المجتمع المصغر الذي خرج عنه وحاربه، فتكشفت لنا كثير من الإشارت الدالة على اغتراب الصعاليك ومعاناتهم والتبريرات التي ساقوها للتغطية على السطو الذي كان حرفتهم الرئيسة لكسب قوتهم، والحفاظ على مجتمعهم الجديد الذي شكلوه بديلا عن القبيلة التي رفضتهم فرفضوها، وطردتهم فحاربوها.
وربما كان الشنفرى واحدا من الصعاليك الذين قدموا لنا رؤيتهم الواضحة تجاه القوم، ففي لاميته (12) الشهيرة يذهب الشاعر إلى حد اتخاذ الحيوان قوما بدلا من قومه الذين هم بفراقهم، فلا حاجة له بهم طالما أنهم مصدر الأذى والكراهية، أما عالم الوحش ففيه الأمن وحفظ الأسرار:
أَقِيمُـوا بَنِـي أُمِّـي صُـدُورَ مَطِيِّـكُمْ *** فَإنِّـي إلى قَـوْمٍ سِـوَاكُمْ لَأَمْيَــــــل
وفي الأَرْضِ مَنْـأَى لِلْكَرِيـمِ عَنِ الأَذَى *** وَفِيهَا لِمَنْ خَافَ القِلَـى مُتَعَـزَّلُ
لعَمْـرُكَ مَا بِالأَرْضِ ضِيـقٌ على امْرِىءٍ *** سَرَى رَاغِبَـاً أَوْ رَاهِبَـاً وَهْـوَ يَعْقِــلُ
وَلِي دُونَكُمْ أَهْلُـون: سِيـدٌ عَمَــلَّـس *** وَأَرْقَطُ زُهْلُـولٌ وَعَرْفَـاءُ جَيــألُ
هُـمُ الأَهْلُ لا مُسْتَودَعُ السِّـرِّ ذَائِـعٌ *** لَدَيْهِمْ وَلاَ الجَانِي بِمَا جَرَّ يُخْـذَلُ
وعلى الرغم من اختلاف الروايات حول تحول الشنفرى إلى الصعلكة، فإن الأبيات السابقة، بقدر ما تحمل من الصدق في العاطفة، والقوة في البيان، فإنها ترجمان لرؤية هذه الفئة من العرب لأقوامها، عندما تفتقد فيها الأمان والاحترام وحرية التصرف، فتكون الصحراء بقساوتها ووحشها ووحشتها مفرا مقبولا وملاذا محمودا.

ومع امتداد الزمن لم تتغير الصورة في جوهرها، بل تغيرت في جزئياتها، فقد ظل الأدباء في كل العصور المعروفة يمثلون النموذجين السابقين، ونحن نسمع اليوم عن شعراء المناسبات وشعراء الالتزام وشعراء البلاط وشعراء التمرد وغيرها من التسميات التي تدور كلها في بوثقة علاقة الشاعر بالمجتمع الذي ينتمي إليه، غير أن التوتر بات يلعب فيها الدور الكبير في العصور المتأخرة، لأسباب تاريخية تتعلق بتطور الأوضاع في المجتمع العربي سياسيا واقتصاديا وثقافيا، وبعلاقاته مع محيطه الدولي.
والحاصل أنه، إذا كان خلاف الأديب مع الآخر في الإطار الاجتماعي هينا أو مقبولا إلى حد ما، فإن الخلاف السياسي قد شكل عقبة كأداء في طريق الشاعر إلى التعبير الحر عن مكنون نفسه، ذلك أن علاقته بالسلطة السياسية تتطلب منه التضحية وكثيرا من الجهد في ابتداع أساليب الاحتيال أو المهادنة رغبة في تجنب الصدام، فإذا رأى ذلك مستحيلا اختار لنفسه البدائل أو اختيرت له، حتى وإن كانت قاسية عليه ومؤلمة. غير أن للأديب القدرة على الاستفادة فنيا من ذلك، حينما تتحول المعاناة الذاتية أو الإحساس بالمعاناة الجماعية إبداعا أدبيا يرمي فيه صاحبة بأثقال النفس ليجني القارئ منها دررا ممتعة.


هوامش:
----------------
1- فاروق أحمد اسليم ، الانتماء في الشعر الجاهلي ، 11 ، منشورات اتحاد الكتاب العرب – دمشق ، 1998
2- طه فرج، وآخرون ، معجم علم النفس والتحليل النفسي،،68، دار النهضة العربية بيروت.
3- حليم بركات، غربة الكاتب العربي، 163، دار الساقي – بيروت، ط1، 2011
4- م. نفسه ، 157،
5- فاروق أحمد اسليم ، م. سابق ، 11 .
6- كولن ولسن. اللامنتمي، 18، تر: أنيس زكي حسن، دار الآداب – بيروت ط3- 1982.
7- م . نفسه، 5.
8- دريد بن الصمة ، الديوان ، تح: عمر عبد الرسول ، 61-62 ، دار المعارف بمصر.
9- على مصطفى عشا، جدل العصبية القبلية في نماذج من الشعر الجاهلي ، 3، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق ، ج3 ، مجلد 83
10- م . نفسه ، 3 - 4
11- هناك أنواع للصعلكة، مثل الخلعاء والشذاذ ، وأبناء الحبشيات الذين رفض الاعتراف بهم، والمحترفين اتخذوا من النهب والسلب حرفة .

12- الشنفرى ، الديوان ، تح: إيميل بديع يعقوب، 58 ، دار الكتاب العربي- بيروت ، ط2 ، 1996

الاثنين، 18 سبتمبر 2017

معاملة الأجنبي بمنطقة الساورة[1] في القرن 19 (قراءة في مذكرات الرحالة الألماني غيرهارد رولفس)

معاملة الأجنبي بمنطقة الساورة[1] في القرن 19
(قراءة في مذكرات الرحالة الألماني غيرهارد رولفس)
د. رمضان حينوني
أستاذ محاضر بالمركز الجامعي لتامنغست/ الجزائر
عضو
مخبر الموروث العلمي والثقافي لمنطقة نمنراست/ الجزائر
ramdanne@gmail.com

ملخص:
       يطرح البحث إشكالية أساسية ممثله في كيفية تعامل أهالي الصحراء الجزائرية مع الرحالة الأوروبيين في زمن خيم فيه الاستعمار بصورته القبيحة على أذهان الناس، بالنظر إلى كونهم وقعوا بين موقفين يتطلب كل منهما جهدا ليصمد أمام الآخر؛ الأول هو الاحتكام إلى العادات والأعراف الأصيلة التي تستوجب إكرام الضيف بصرف النظر عن هويته ووجهته، على عادة العرب قديما، والثاني هو الاشتباه في أن الرجل الأبيض لا يمثل في المخيال المحلي وقتذاك إلا المحتل أو الكافر -بالمفهوم الشعبي- الذي يسعى إلى الاستيلاء على الأرض أو إفساد الدين.
      ولقد أبان البحث عن جوانب من حياه إنسان القرن التاسع عشر في الجزائر، خصوصا في منطقة صحراوية نائية تجذرت بها العادات العربية الإسلامية إلى حد المحافظة على سلامة رحالة أحاطت به الشبهات الكفيلة بقتله، ما يعكس احتكام المجتمع وقتئذ إلى نوع من النظام المجتمعي الذي يؤدي فيه شيخ الزاوية أو القبيلة دور الضابط الصارم الذي تحترم كلمته وقراراته.
     وتكمن أهمية الدراسة في أنها تتخذ من مذكرات أجنبي مادة للدراسة، ليس لمجرد كونه أجنبيا، بل لأن الكتابات الغربية في هذه الفترة استطاعت أن تكون شاهدة على العصر، في زمن توجهت فيه جهود علماء المنطقة إلى التأليف في العلوم اللغوية والدينية، وأهملت كثيرا جوانب الحياة الاجتماعية.
الكلمات المفتاحية:الصحراء، الساورة، الجزائر، الرحالة الأوروبيون، معاملة الأجنبي، الاستعمار الفرنسي، الكرم، السلب، الأمان.
=======

مقدمة:
لم تقتصر الرغبة في استكشاف عمق الصحراء الكبرى على الفرنسيين والبريطانيين ومن خاضت بلدانهم حملات استعمارية على القارة الإفريقية، بل امتدت إلى غيرهم من الذين دفعهم الفضول أو البحث العلمي إلى المغامرة بحياتهم في سبيل الوصول إلى هذه الشعوب الغريبة عنهم لونا وثقافة ونمط حياة. وبخاصة أنهم يدركون تحفظ سكانها إزاء الرجل الأبيض الأوروبي الذي ارتبط ذكره بالاحتلال والحروب والعدوان، سعيا إلى تحقيق مآربه على حساب الشعوب الضعيفة؛ ولقد وُجدتْ في كثير من كتابات الرحالة الأوروبيين مادة خصبة تعرّف ببعض جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية في البلاد العربية كما رآها هؤلاء، وتسمح للباحث بمقارنتها مع ما عرفه أبناؤها وتناقلته أجيالهم، وخصوصا ما تعلق بالعادات والتقاليد ذات المرجعية الإسلامية مثل الكرم والضيافة وطلب الأمان والصحبة وغيرها.
وتعد مذكرات غيرهارد رولفس وثيقة مهمة في هذا الباب، تستحق وقفة وصفية فاحصة، وبخاصة ممن يعرف المسار الجغرافي الذي قطعته الرحلة وطبيعة تركيبته الاجتماعية وبنيته الثقافية، ومهما تكن القراءة التي يتوصل إليها الرحالة الأورويبون والمستشرقون الغربيون عموما في نقلهم لما رأوه وعاشوه في فترات رحلاتهم، فإنه من الواجب التعامل معها باهتمام كبير، سواء من المؤيدين ما جاء فيها أو المخالفين، إذ هي موجهة إلى القارئ الأوروبي بدرجة أولى، وعلى الذين ينتمون إلى هذه البلدان والمناطق التي غطتها هذه الكتابات- أن يعملوا على تمحيصها وتصحيح بعض ما يخطئ هؤلاء في قراءته، مع ضرورة الاعتراف بأن فضل هذه الكتابات لا ينكر، فقد كانت شاهدة على مراحل زمنية قديمة، ربما لا نجد من الكتاب المحليين من نقل أحداثها وبعض ما ميزها على الصعيد الاجتماعي، وحتى إن وجدوا فإن الحقيقة لا تتضح إلا بالكشف عن جميع أوجه الشيء المدروس ومقارنته بموضوعية وحكمة.
التعريف بغيرهارد رولفس:
هو فريدريش غيرهارد رولفس (Friedrich Gerhard Rohlfs) تعرفه موسوعة ويكيبيديا على أنه جغرافي ومستكشف وكاتب ومغامر ألماني من مواليد 14 أبريل عام 1831م، بالقرب من مدينة بريمن. عضو في أكاديمية بافاريا للعلوم والإنسانيات (Bavarian Academy of Sciences and Humanities). بدأ شبابه جنديا في سن السادسة عشر، ثم توجه إلى دراسة الطب فحصل على دكتوراه، لكن ميوله إلى المغامرة جعلته يعمل طبيبا في صفوف القوات الأجنبية خارج الحدود بعد أن وصل فرنسا عبر سويسرا. قضى ست سنوات في الجزائر سمحت له بتعلم العربية والتعرف على عادات وتقاليد الأهالي.[2]
في عام 1855، قدمت الجمعية الجغرافية في باريس جائزة خاصة لمن يستكشف الطريق الرابط بين الجزائر والسنيغال أو العكس، عبر تمبكتو. فحلم رولفس أن يكون هو المستكشف، بعد سنواته الست في الجزائر توجه إلى المغرب الأقصى كطبيب عام 1861، واستقر في شمال البلاد، وتمكن من الاختلاط بالطبقة الراقية، التي وفرت له الحماية، وسمحت له بالتعرف على عادات وتقاليد المجتمع. عام 1862 غادر طنجة في أولى رحلاته باتجاه درعة وتافيلالت، لكن محاولة اغتيال تعرض لها في أعالي قير (Guir) أجبرته على التخلي عنها. في عام 1864 وصل إلى الجنوب الوهراني، غير أن انتفاضة أولاد سيدي الشيخ أحبطت خططه، فقرر بعدها أن يبدأ استكشاف بلاد الساورة وقورارة وتوات وتيديكلت، إذ كان أول أوروبي يصل عين صالح، لكنه لم يتمكن من عبور الصحراء عبر الهقار، فانكشف أمره وشعر بالخطر على حياته ما اضطره إلى الابتعاد عن المنطقة، فاتجه إلى ناحية الشرق ليصل غدامس ثم طرابلس الغرب في الأراضي الليبية، لتنتهي بذلك رحلته الأولى[3] التي تمكن فيها من الحصول على معلومات قيمة، حول بساتين النخيل، والقصور والسكان لم تكن معلومة من قبل. منحته الجمعية الجغرافية في باريس ميدالية ذهبية.[4]
توفي رولفس في 2 جوان (يونيو) عام 1896، تاركا مذكراته المفصلة التي ترجمها إلى الفرنسية جاك ديبي (Jacques Debetz)[5] بعنوان:" رحلات واكتشافات في الصحراءVoyages et explorations au Sahara 1861-1864) ).
استكشاف الصحراء بين الرغبة والخوف:
تاريخ الاستكشاف قديم جدا عند شعوب الأرض قاطبة، ولقد سجل التاريخ أن الرحالة المسلمين قد برزوا في هذا النشاط لدوافع شتى، وخدموا بنصوصهم التي أرخت لتلك الرحلات علوما شتى مثل التاريخ والجغرافيا والأدب من خلال ما برعوا فيه من تصوير لأحوال الناس والعمران والحروب وغيرها من مستلزمات الإنسان.
أما الأوروبيون فقد دُفع بعضهم إلى اتخاذ الاستكشاف ذريعة للتمهيد للحملات الاستعمارية وجمع المعلومات الكافية للسيطرة على الأرض الغنية بعناصرها الطبيعية والتجارية، وهؤلاء في الغالب هم رحالة القرن الثامن عشر والتاسع عشر الذين اختبأوا خلف أغراض شتى ليخدموا جهات عسكرية أو حكومية معينة. كما سكن بعضهم الآخر حبُّ كشف غموض الصحراء الكبرى والوقوف على عناصرها الساحرة وهؤلاء عادة من رحالة الفترة الحديثة التي شهدت استقلال دول المنطقة، واتضاح حدودها الجغرافية.   
ولقد كانت تلك الرحلات حتى عهد قريب تتم على ظهور الجمال وبصحبة تجار القوافل، في صحراء مليئة بالمخاطر البشرية والطبيعية، فأطماع قطاع الطرق والأعداء في تجارة الغرباء تهدد رحلات هؤلاء العلماء والباحثين الذين يصحبون التجار؛ ما دفع السلطات في بعض البلاد الحريصة على سلامة التجارة إلى توفير الأمن للقوافل بشتى الطرق منها تخصيص فرق عسكرية صغيرة أو كبيرة في نقاط جغرافية معينة تسهر على حراسة القوافل وضمان سلامتها.[6]
هذا ما جعل رحلات هؤلاء الأوروبيين نزهة واستجماما ومتعة أحيانا، وتعبا وحصاد متاعب في أحيان كثيرة، يضاف إلى ذلك تربص الموت بهم لأول وشاية أو كيد من حاسد، فإن لم يكن الموت فالسجن والتنكيل، وما قصة ليون الإفريقي[7] (1494-1554) إلا مثال على ذلك.
 ولم يكن ذلك ليغيب عن بال رولفس، الذي تزامنت رحلته مع بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر، والحملات العنيفة التي قام بها في ربوع هذا الوطن الشاسع للسيطرة على أجزائه المترامية؛ فكل أوروبي هو في حكم المحتل عند عموم الأهالي، وعليه فإنه كان يعلم لا شك بأن حياته ستكون في خطر، إلا إذا اهتدى إلى الحيل التي توفر له قدرا من الحماية حتى الوصول إلى غايته.
الحيلة مدخلا للمغامرة:
صرح رولفس في مذكراته بأنه منافق، وأن التظاهر بالإسلام أضمن له خوفا من بطش الأهالي به في حال معرفتهم بنواياه، وقد فعل ذلك مذ كان بتفيلالت، فقال:"... وحتى لا يشك مسلمو البلد في مسيحيتي، وأنني بحق على دينهم الإسلام، اتجهت صوب ضريح مولاي على الشريف"[8]، ومعلوم أن زيارة الضريح في بيئة متدينة تقليديا كمنطقة تفيلالت أو الساورة أو غيرهما من البلاد هي دلالة صريحة على الإسلام عند شعب بسيط يأخذ بالظاهر ويحسن الظن، وخصوصا إذا كانت في طقوسه الشعبية المعروفة من تمسح وتقبيل ووضع شيء من النقود في موضع خاص.
ويزيد رولفس في التماس الحيلة لنفسه عندما يدعي نسبا ليس له، فيقول:" من أجل الحفاظ على سلامتي وعدم افتضاح أمر نفاقي ، فقد ادعيت منذ مقامي بقصر إقلي أنني عباسي هاشمي قرشي النسب من نسل العباس بن عبد المطلب عم رسول الله محمد، وعلى قدر هذا الادعاء كان استقبال الناس بهذه البلاد لي على الرغم من أن المثبت في رسائل التوصية بخصوصي أنني مصطفى الألماني (النمسي)."[9]
وإذا كان الذين اطلعوا على رسائل التوصية تلك لم يدققوا في هوية رولفس، لسبب أو لآخر، ولم يطرحوا أسئلة حول حقيقته، فإن طبيبا تلمسانيا كان يشك في هويته، و"يشي به عند شيخ زاوية كرزاز، ويشيع عنه أنه جاسوس فرنسي، فقد كان يفتش في أغراضه أثناء غيابه ويقول للمرابطين إن هذه الأغراض لا يمتلكها إلا مسيحي."[10] ويمكن الاعتقاد أن هذا الطبيب إنما كان يرغب في الاستيلاء على أغراضه الثمينة أكثر من إرادته الكشف عن هويته وإثبات مسيحيته، ذلك أن كونه ذا ملامح أوروبية لا يطعن في إسلامه عند الأهالي الذين يعلمون أن الإسلام يساوي بين أبنائه دون نظر إلى عرق أو ماض، وعلى الرغم من ثقل هذه التهمة، فإن الشيخ ظل لفترة معينة يصدق رولفس ويحسن إليه، ثقة بكونه مسلما. وهو ما يعطي الانطباع بأن سكان هذه المنطقة من الأخلاق العالية بحيث إذا أمَّنوا شخصا على حياته، لا يرجعون عن ذلك ولو في ظل وجود شكوك لا ترقى إلى درجة اليقين.
وفي مقابل ادعائه الإسلام، كشف رولفس في مذكراته عن عقيدة آريانية[11] أو قريبة من ذلك كان يؤمن بها، لو علمها أهالي الساورة وقتئذ لما بقي بينهم حيا، فقد كانت فيه عنصرية متجذرة لعلها شبيهة بتلك التي جسدها الفكر النازي فيما بعد عندما نادى بسيادة الجنس الآري وإبعاد الأجناس الأخرى أو إبادتها. حيث يقول:" فالذي يتحتم على الفرنسيين فعله منذ مدة خلت هو ما فعله الإنجليز بأمريكا الشمالية مع الهنود الحمر، وهو كيفية إلجائهم إلى خلف البلاد .. قد يُرى ذلك تحاملا وتصرفا بربريا وضد قواعد وأسس الحضارة في هذا العصر، والحقيقة أن القريب من حقيقة الأمر يتجلى له الأمر بخلاف من هو مُبعد عنه. ولهذا فإنه من مصلحة الإنسانية العامة يتحتم على بعض الشعوب المتأخرة فسح محلها للغير الذي يفوقها حضارة "[12]. وفي موطن آخر ينصح الفرنسيين بضرورة احتلال منطقة الساورة بكاملها بحجة أن هذه البلاد تحاك بها المؤامرات والفتن ضد الفرنسيين! ثم يؤكد أن فرنسا لن تنعم بالأمان والاستقرار في عمالة وهران إذا لم تقم بذلك.[13] ولعل ذلك ما حدث فعلا بعد ذلك.
إن تصريحا كهذا مثبتا في مذكرة يعلم صاحبها أنها موجهة للقراءة والاطلاع لدليل على أن رحلة رولفس ربما لم تكن من أجل الحصول على جائزة الجمعية الجغرافية المغرية فحسب، بل كانت أيضا مهمة غرضها إنجاز تقرير عن أوضاع المنطقة اجتماعيا وثقافيا، قد تستفيد منها القوى الاستعمارية التي كانت في أوج شراستها في هذه الفترة.
رولفس ومظاهر السلب في الصحراء:
من العادات الصحراوية التي نقل إلينا رولفس جوانب منها نجد سلب الأشخاص والقوافل المتاع والأغراض، يقوم بها أفراد وجماعات تستغل ضعف المسافرين وانقطاعهم في البراري. وعادة السلب قديمة عند العرب وغيرهم ممن شهدوا حياة البداوة والحل والترحال، وبخاصة في الأزمنة التي تكون فيها ظروف المعيشة صعبة، حتى غدا " الغزو وسيلة مشروعة لكسب الرزق، وبذلك أصبحت الصحراء ميدانا فسيحا يقاتل فيه الناس بعضهم بعضا"[14]، لا يمنعهم عن ذلك أحيانا قرابة دم أو سابق تعامل، فكيف إذا كانت الضحية أجنبيا غريبا كهذا الرحالة الذي أدرك هذه الحقيقة. وعبر عنها عندما أعرض عن التنقل يوما من كرزاز إلى الزاوية الكبيرة البعيدة بنحو ساعة مشيا على الأقدام، إذ يقول:" بلغني أن الأجانب يًسلبون بهذه البلاد ، ومما زاد الناس غرابة بشأني ها هنا أن كيف وصلت إلى هذه البلاد في رحلتي هذه سالما دون سلبي من قطاع الطرق إلى حد الساعة.. إنها بحق معجزة.." [15]
ولقد شكل السلب عند رولفس هاجسا حقيقيا، بالنظر إلى اعتزامه قطع مسافة طويلة تمتد من الجنوب الشرقي المغربي إلى بلاد جنوب الصحراء، وكل متاع يحوزه ضروري ومهم، وتعرضه للسلب قد يعرضه للأذى أو الموت إما جوعا أو قتلا إذا حاول الدفاع عن أغراضه. وقد بدأ هذا الهاجس عندما كان في المغرب في منطلق رحلته، إذ يقول: " وصلتنا أخبار تقول إن عصابة لصوص من آيت واحليل من آيت عطا قد عزمت على سلبنا وقطع طريقنا. ثم بعثت إلينا هذه الليلة نفسها تعليمة تأمر بأن نشيع الخبر بأن وجهتنا هي وادي قير عبر مقاطعة الغرفة. وهو الطريق الأقصر مسافة. بقينا في هذا الدوار يومنا الموالي مع كونه فقيرا جدا بسبب سلب عرب حميان الخاضعين تحت الحكومة الفرنسية [بالجزائر]له السنة الماضية..."[16]
ويذكر رولفس القبائل التي ينتمي إليها قطاع الطرق بشكل إلحاحي متكرر، ما يعني أنه متأكد من الأمر وعارف بخارطة هذا النشاط في المناطق التي يمكث فيها فترة كافية من الزمن. فأهالي قصر بوعنان على سبيل المثال هم أصحاب هذا الاختصاص بحسب رواياته، فقد سلبوه وعرّضوه للخطر في رحلة سابقة، يقول عن ذلك:" وصلنا الساعة السادسة إلى دوار أولاد بوعنان، أين عادت إليَّ أتعابي ومشاقي مجددا رغم الإقامة المريحة بهذا الدوار، لكنني رفضت الإقامة به لأن أهله هم إخوة أهالي قصر بوعنان الذين استباحوا مالي منذ سنتين، وآذوني حتى كدت أموت"[17]. غير أن هذه الذكرى الأليمة في ذاكرة رولفس لم تُثْنه عن المضي في مهمته، رغم كونها مصدر قلقه، فهو يكرر الحادثة في موطن آخر قائلا:" علمت أن أولاد بوعنان من ذوي منيع قد سرقوا كل مؤونة سفري من تمر ودقيق وقمح وسكر، وعدة أغراض صغيرة كانت بحوزتي، الأمر الذي اضطرني إلى أن أطلب ضيافة مرابطي زاوية كرزاز."[18] ففي كل مرة كان يلوذ بالأقوياء لحمايته على شاكلة شيوخ الزوايا وكبار القبائل، وهو أمر مألوف طبيعي.
 ولا يبدو رولفس مدعيا في نقله لهذه الحقائق، بالنظر إلى أن الصورة السلبية التي رسمها لهذه الفئة من دوي منيع قد قابلها بصورة أخرى مغايرة لأبناء عمومتهم أولاد سليمان الذين أحسنوا وفادته وأكرموه عندما نزل بديارهم. بل إنه لاحظ أن الفئة السالبة لا تحظى بالمحبة والرضا عند بني جلدتهم، إذ:" يعاملهم إخوانهم في الدين بكونهم أناسا مخادعين وسراقا ويحلفون زورا..."[19] وهذه المقابلة في واقع الأمر دليل على أن الخير أو الشر ليسا طبعا ثابتا في أية مجموعة بشرية. 
وإضافة إلى أولاد بوعنان، يحدثنا رولفس عن قبيلتين أخريين احترفتا هذه العادة، يتعلق الأمر بالعطاونة والغنانمة اللتين" اشتهرتا في كل بلاد الصحراء بقطع الطريق والنهب والسلب، وقد سبق أن حُذّرت منهما عندما كنت بوادي درعة في رحلتي الأولى؛ ففي ببلاد إقلي حاليا يوجد قبر رجل شريف من بلاد وزان بالمغرب لقي حتفه على أيدي رجال القبيلتين... وهو خير شاهد على سوء صنيع هؤلاء العرب بعابري السبل ببلادهم."[20]
ويضرب رولفس المجموعتين إحداهما بالأخرى بطريقة ساخرة فيقول: "يقول أولاد بوعنان من ذوي منيع عن الغنانمة والعطاونة: إذا جاءهم رسول الله نفسه فإنهم يسلبونه ويقطعون طريقه. لكن أجيب بلساني أولاد بوعنان قائلا: وأنتم لو حل بينكم الرب نفسه، فإنكم تقتلونه ".[21] 
ورغم هذه الصورة القاتمة التي يرسمها رولفس عن الغنانمة أو الغناميين، فقد أتيح له أن يكون برفقة غناميين أثناء خروجه من كرزاز باتجاه توات، ويذكر ذلك قائلا:" رجع الرجلان الغناميان اللذان كانا في رفقتنا إلى كرزاز لإخبار الناس هناك بسلامة سفرنا ، وقد أعطيت لكل واحد منهما مثقالا أو 2,5 فرنك، وهو بالطبع مبلغ لا بأس به بالنسبة للناس هاهنا، لأنهما تعاملا معي بلطف، وحتى أشجعهما مستقبلا لقيادة المسافرين إلى مأمنهم  عوض سلبهم ونهبهم."[22] ما يدعم الاستنتاج السابق القائل: إن السلب والنهب وإن عرفا في مجموعة أو قبيلة ، فذاك لا يعني أنه عادة جماعية، بل هو في الغالب عادة عند بعض أفرادها وتنسب الصفة إلى القبيلة مبالغة في ذم الفعل واستقباحه، ودفعا إلى تصحيحه والإعراض عنه.
واغتنم رولفس فرصة حديثه عن سلب الغناميين للمسافرين المحليين والأجانب ليصدر بعض الأحكام التي تبدو مجانية وجائرة، من ذلك قوله "والذي أعرفه جيدا أن اليمين عند المسلمين لا يلقى احتراما مقارنة بنا نحن المسيحيين، فهي عندهم كلمة تقال باللسان دون أن تراعى حرمتها"[23] ويصرح في موضع آخر بأن الغنانمة " لا يحترمون قواعد دينهم الإسلامي، فهم ينتهكون حتى حرمة شهر رمضان، ولا نجد إلا ثلاثين رجلا منهم يحترمون قواعد الدين، أي بنسبة واحد منهم بكل قصر من قصورهم! "[24] ولا ندري كيف استطاع رولفس أن يصل إلى هذا الحساب الدقيق، وهذا الاستنتاج القاطع، فمن الشائع أن البيئة التي يتحدث عنها محافظة وتقليدية في إسلامها، وتحرص كثيرا على الالتزام الديني في عمومها؛ فلقد رأينا كيف عانت فرنسا في احتلالها للجزائر بفضل الوازع الديني القوي عند سكانها، إلى جانب الرفض الطبيعي لكل احتلال أو عبودية. ولكن يبدو أن رولفس عمم هذا الحكم على المسلمين في المقتبس الأول، وعلى الغنانمة في الثاني، انتقاما مما تعرض له أثناء رحلته من حين لآخر من اعتداء على نفسه وأغراضه.  
الضيافة وأهميتها لأجنبي غريب:
اعتمد رولفس على رسائل التوصية (lettres de recommandation) التي كانت توفر له قدرا من الأمان، وتدعو الغير إلى ضيافته واستقباله. ولعل أهمها وأقواها رسائل شيخ زاوية وزان[25]، ولعله في ذلك الوقت الحاج عبد السلام بن العربي، المتوفى سنة 1892م، وقد عَرفت الزاوية في عهده توافد الناس من جميع المناطق ومن مختلف الشرائح الاجتماعية طلبا للأمان أو الصلح أو ما يحقق المصلحة. وبحسب مذكرات رولفس، فقد حصل على مجموعة من رسائل التوصية، بحسب المناطق التي يحل بها، وبما أن زاوية وزان كان لها تأثير كبير في مناطق شاسعة من المغرب والجزائر، فقد كان لتلك الرسائل مفعول قوي في نيله الحماية والضيافة معا. وقد عبر عن ذلك قائلا: "أما شيخ زاوية وزان الذي يسكن هنا ببني عباس، فقد أكرمنا ببعض الفواكه التي تنتجها الواحة، وأحسن ضيافتنا وقد دفعت إليه رسالة توصية كتبها له شيخ زاوية وزان بخصوصي."[26] وهكذا ارتبط ضمان الأمان بالضيافة بشكل آلي عند الذين نزل عندهم رولفس، ذلك أن من عادة العرب وساكنة الصحراء عموما إكرام الضيف متى اطمأنوا إليه واطمأن إليهم، بل نقلت لنا أخبارهم أنهم ربما أكرموا ضيفهم دون أن يعرفوا عنه شيئا، دلالة على تقديمهم خصلة الكرم حد التقديس.
ويتكرر الأمر عندما ينزل بزاوية كرزاز فيلقى الترحاب والضيافة اللائقة والصداقة الدافئة، يقول في هذا: "عندما استقبلني شيخ زاوية كرزاز، سلمت له عدة رسائل توصية بخصوصي، فرغم أن هذا الشيخ ليس له اهتمام بالحضارة..إلا أنني وجدت عنده ضيافة حسنة ومحبة لي، وحتى الآن لم ألق منه إلا خيرا رغم أنني لم أقدم له حتى الآن أية هدية."[27] ما يؤكد أن تلك الرسائل نجحت في توفير أمنه وسهلت مسلكه، وفي أسوء الأحوال لم يتعرض بفضلها للأذى، مثلما حدث له لاحقا، فقد ضيق عليه الطبيب التلمساني سالف الذكر حتى أقنع شيخ زاوية كرزاز بتغيير موقفه منه، بالإلحاح على جاسوسيته، فأخذت الضيافة تتضاءل شيئا فشيئا إلى أن لمح له بضرورة المغادرة إلى توات، دون أن يمنحه ضمانا بسلامته، لكن دون أن يؤذيه.[28]
على أن المؤكد أن الضيافة ليست حكرا على العرب، فكثير من القرى والمداشر التي مر بها رولفس أمازيغية أو بربرية، ووجد بها من الكرم ما شجعه على إتمام سعيه، على شاكلة دوار (آيت شَبْسي)، الذي يقول عنه:" ورغم أنه من أمة البربر إلا أنهم أحسنوا استقبالنا، فبقينا عندهم كل نهار اليوم الموالي."[29] وليس ذلك بغريب، فالعرب والأمازيغ يتقاسمون العادات والتقاليد وكثيرا من مظاهر الحياة الاجتماعية منذ الفتح الإسلامي، حتى اندثرت الفوارق بينهم عدا اللسان الذي يعبر عن الحال.
خاتمة:
تعد مذكرات غيرهارد رولفس وثيقة تاريخية واجتماعية وجغرافية مهمة جدا، وبخاصة بالنسبة لمنطقة الساورة التي تحتاج [30]إلى كثير من الأبحاث والدراسات الكاشفة عن معلومات كافية تمهد لكتابة أوسع  لتاريخها وطبيعة حياة سكانها. ويجد الباحث في بعض الكتابات الغربية ما يشجع على ذلك غير أنها تنتظر من يترجمها ويحلل محتواها ويدرسه، قصد تشكيل رؤية صادقة عن منطقة عبور مهمة في اتجاه الصحراء الكبرى.
وعلى الرغم من أن مذكرات هذا الرحالة تتحدث عن رقعة جغرافية أكبر بكثير من منطقة الساورة، إلا أن هذه الورقة اكتفت بالرحلة التي امتدت من تافيلالت إلى كرزاز، وفي زاوية محددة هي رصد جملة من الصور الاجتماعية التي نقلها غريب عن المنطقة، ويمكن للباحثين أن يجدوا في تلك المذكرات معارف شتى وجوانب حياتية جمة صالحة الدراسة والتمحيص.
ويمكن في ختام هذه الأسطر الخروج بجملة ملاحظات تتلخص في الآتي:
-       استطاع قيرهارد رولفس رصد مجموعة من العادات التي ميزت منطقة الساورة، وهي عادات ما تزال شائعة حتى الآن، إلى درجة أن القارئ العارف بهذه المنطقة ليجد سهولة في استيعاب تفاصيلها، غير أنه نقلها من منطلق مصلحي نفعي خالص بحكم كونه غريبا وطالبا السلامة التي توصله إلى هدفه.
-       إن الأحكام التي أصدرها بخصوص تصرفات الأهالي سواء الإيجابي منها أو السلبي هي أحكام نسبية لا تقبل التعميم أو الصحة المطلقة، بل قد يكون أغلبها صادر عن ردة فعل لما عانى منه الرجل من متاعب؛ فهي تخضع للظروف التي تتغير من زمن لآخر، ومن أشخاص لآخرين.
-       من حق هذا الرحالة أن يختبئ خلف شخصية مزيفة، لكن ليس من حقه أن يذم مخاوف الأهالي وحذرهم من الغرباء، وبخاصة أن الفترة تمثل بدايات وصول المستعمر الفرنسي إلى المنطقة، كما أن صورة الأوروبي في المخيال الاجتماعي سلبية لارتباطها بالكفر عقائديا والظلم سياسة، فالحروب الصليبية وما تلاها وإن كانت أحداثها بعيدة زمنا ومكانا، فإن آثارها المعنوية عمت بلاد الإسلام كلها.
-       إن الظرف التاريخي الذي أطر هذه الرحلة يعكس انعدام عوامل الدولة المدنية المنظمة، وهو ما يفسر وجود سلطة القبيلة وما ينجر عنها من عادات مختلفة تبعا لتصرف فروع القبائل أو المنشقين عنها.
-       يُضاف إلى ذلك عامل البيئة الفقيرة القاسية، التي تشجع مظاهر السلب والنهب وخصوصا ضد الأجانب بحكم عدم انتمائهم لقبائل تدافع عنهم. وقد اعترف الكاتب بهذا عندما أرجع سلوك الغنانمة إلى وجودهم في منطقة قليلة الموارد الزراعية.
-       إن الأوصاف الجغرافية والإثنية الدقيقة التي تضمنتها مذكرات رولفس تدل على أنها تصلح لتكون وثائق ذات طابع عسكري إلى جانب كونها استكشافية سواء قصد كاتبها ذلك أم لم يقصد. 

هوامش:




المقال منشور بمجلة آفاق علمية / المركز الجامعي لتامنغست . العدد 11 عام 2016
  

الرواية الجزائرية المكتوبة باللغة الفرنسية عند روائيي الساورة (مسار وتنوع)

  أ.د. رمضان حينوني مخبر الموروث العلمي والثقافي بمنطقة تامنغست/ الجزائر ramdanne@gmail.com   أسهم الكتاب المنحدرون من منطقة الساورة مساهمة ...